كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 1)

" صفحة رقم 593 "
إلى الشيء أولاً ، ويكون افتعل منه ، إما لموافقة المجرد ، فيكون معناه ومعنى سبق واحداً ، أو لموافقة تفاعل ، فيكون استبق وتسابق بمعنى واحد . الخيرات : جمع خيرة ، ويحتمل أن يكون بناء على فعلة ، أو بناء على فيعلة ، فحذف منه ، كالميتة واللينة . وقد تقدّم القول في هذا الحذف ، قالوا : رجل خير ، وامرأة خيرة ، كما قالوا : رجل شر ، وامرأة شرّة ، ولا يكونان إذ ذاك أفعل التفضيل . الجوع : القحط ، وأما الحاجة إلى الأكل فإنما اسمها : الغرث . يقال : غرث يغرث غرثاً ، فهو غرث وغرثان ، قال : مغرّثة زرقاً كأن عيونها
من الذمر والإيحاء نوّار عضرس
وقد استعمل المحدثون في الغرث : الجوع اتساعاً .
( سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا ( : سبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري ، عن البراء بن عازب قال : لما قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) المدينة ، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ، أو سبعة عشر شهراً . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) يحب أن يتوجه نحو الكعبة ، فأنزل الله تعالى : ) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء ( الآية . فقال : السفهاء من الناس ، وهم اليهود ، ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، فقال الله تعالى : ) قُل لّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ( الآية . ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أن اليهود والنصارى قالوا : إن إبراهيم ، ومن ذكر معه ، كانوا يهوداً ونصارى . ذكروا ذلك طعناً في الإسلام ، لأن النسخ عند اليهود باطل ، فقالوا : الانتقال عن قبلتنا باطل وسفه ، فرد الله تعالى ذلك عليهم بقوله : ) قُل لّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ( الآية ، فبين ما كان هداية ، وما كان سفهاً . وسيقول ، ظاهر في الاستقبال ، وأنه إخبار من الله تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، أنه يصدر منهم هذا القول في المستقبل ، وذلك قبل أن يؤمروا باستقبال الكعبة ، وتكون هذه الآية متقدمة في النزول على الآية المتضمنة الأمر باستقبال الكعبة ، فتكون من باب الإخبار بالشيء قبل وقوعه ، ليكون ذلك معجزاً ، إذ هو إخبار بالغيب . ولتتوطن النفس على ما يرد من الأعداء ، وتستعد له ، فيكون أقل تأثيراً منه إذا فاجأ ، ولم يتقدم به علم ، وليكون الجواب مستعداً لمنكر ذلك ، وهو قوله : ) قُل لّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ). وإلى هذا القول ذهب الزمخشري وغيره . وذهب قوم إلى أنها متقدمة في التلاوة ، متأخرة في النزول ، وأنه نزل قوله : ) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ ( الآية ، ثم نزل : ) سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ ). نص على ذلك ابن عباس وغيره . ويدل على هذا ويصححه حديث البراء المتقدم ، الذي خرجه البخاري . وإذا كان كذلك ، فمعنى قوله : سيقول ، أنهم مستمرون على هذا القول ، وإن كانوا قد قالوه ، فحكمة الاستقبال أنهم ، كما صدر عنهم هذا القول في الماضي ، فهم أيضاً يقولونه في المستقبل . وليس عندنا من وضع المستقبل موضع الماضي . وإن معنى سيقول : قال ، كما زعم بعضهم ، لأن ذلك لا يتأتى مع السين لبعد المجاز فيه . ولو كان عارياً من السين ، لقرب ذلك وكان يكون حكاية حال ماضية . والسفهاء : اليهود ، قاله البراء بن عازب ، ومجاهد ، وابن جبير . وأهل مكة قالوا : اشتاق محمد إلى مولده ، وعن قريب يرجع إلى دينكم ، رواه أبو صالح ، عن ابن عباس ، واختاره الزجاج . أو المنافقون قالوا : ذلك استهزاء بالمسلمين ، ذكره السدي ، عن ابن مسعود . وقد جرى تسمية المنافقين بالسفهاء في قوله : ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء ( ، أو الطوائف الثلاث الذين تقدم ذكرهم من الناس . قال ابن عطية وغيره : وخص بقوله من الناس ، لأن السفه أصله الخفة ، يوصف به الجماد . قالوا : ثوب سفيه ، أي خفيف النسج والهلهلة ، ورمح سفيه : أي خفيف سريع النفوذ . ويوصف به الحيوانات غير الناس ، فلو اقتصر ، لاحتمل الناس وغيرهم ، لأن القول ينسب إلى الناس حقيقة ، وإلى

الصفحة 593