كتاب النكت على صحيح البخاري (اسم الجزء: 1)

وقوله: (وهو الَّذِي يزعم) في رواية ابن إسحاق عن الزهري: "يدعي" (¬1)، وزعم: قَالَ الجوهري -وحكاه أيضًا ثعلب وجماعة-: هِيَ بمعنى قَالَ، كما ستأتي في قصة ضِمَام في كتاب العلم.
قُلْتُ: وهو كثير، ويأتي في موضع الشك غالبًا.
قوله: (واجعلوهم عند ظهره) أي: لئلا تستحيوا أن تواجهوه بالتكذيب إن كذب [37/أ]، وقد صرح بذلك الواقدي في روايته.
وقوله: (إن كَذَبني) بتخفيف الذال، أي: إن نَقَل إليَّ الكذب.
قوله: (قَالَ) أي: أبو سفيان، وسقط لفظ "قَالَ" من رواية كريمة وأبي الوقت فأشكل ظاهره، وبإثباتها يزول الإشكال.
قوله: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا) أي: ينقلوه.
(لكذبت عليه)، وللأصيلي: "عنه"، أي: عن الإخبار بحاله.
وفيه دليل عَلى أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما بالأخذ عن الشرع السابق أو بالعرف.
وفِي قوله: "يأثروا" دون قوله: "يكذبوا" دليل عَلى أنه كَانَ واثقًا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكنه ترك ذَلِكَ استحياءً وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا (¬2) فيصير عند سامعي ذَلِكَ كذابًا، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك، ولفظه: "فوالله لو قد كذبت ما ردُّوا علي، ولكنني كنت امرأ سيدًا أتكرم عن الكذب وعلمت أنه أيسر (¬3) ما في ذَلِكَ إن أنا كذبتُ أن يَحفظوا ذَلِكَ عني، ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه" (¬4).
¬__________
(¬1) أخرجه الطبري في "تاريخه" (2/ 129).
(¬2) تصحفت في الأصل إلَى: "يرجوا".
(¬3) تصحفت في الأصل إلَى: "وعليه أنه أتعسر"، والمثبت من "الفتح".
(¬4) أخرجه الطبري في "تاريخه" (2/ 129)، وابن عساكر في "تاريخه" (23/ 429).

الصفحة 194