كتاب النكت على صحيح البخاري (اسم الجزء: 1)

"أسلم"، فيحتمل التأكيد، ويحتمل أن يكون الأمر الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه كما في قوله تعالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 136].
وإعطاؤه الأجر مرتين لكونه كَانَ مؤمنًا بنبيه ثم آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو موافق لقوله تعالَى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} الآية [القصص: 54]. وسيأتي التصريح بذلك في موضعه في حديث الشَّعْبي في كتاب العلم (¬1) إن شاء الله تعالَى.
ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه، ومن جهة أن إسلامه يكون سببًا لإسلام أتباعه.
واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام (¬2) أن كل من دان بدين أهل الكتاب كَانَ في حكمهم في الذبائح والمناكحة؛ لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل، وهم ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قَالَ له ولقومه: "يا أهل الكتاب"، فدل عَلى أن لهم حكم أهل الكتاب، خلافًا لمن خص ذَلِكَ بالإسرائيليين، أو بمن علم أن سلفه ممن دخل في اليهودية أو النصرانية بعد التبديل، والله أعلم.
قوله: (فإن توليت) أي: أعرضت عن الإجابة إلَى الدخول في الإسلام، وحقيقة التولي إنما هو بالوجه، ثم استعمل مجازًا في الإعراض عن الشيء، وهو استعارة تَبَعِيَّة.
قوله: (الأريسيين) هو جَمع أريسي، وهو منسوب إلى أريس بوزن فعيل، بفتح أوله مُخففًا، وقد نقلت همزته ياء كما جاءت به رواية الأصيلي وأبي ذر وغيرهما، قَالَ ابن سِيدَه: الأريس [40/ ب]: الأَكَّار، أي: الفلاح عند ثعلب، وعند كراع: الأريس، هو: الأمير، وَقَالَ الجوهري: هِيَ لغة شامية، وأنكر ابن فارس أن تكون عربية، وقيل في تفسيره غير ذَلِكَ.
لكن هذا هو الصحيح هنا، فقد جاء مصرحًا به في رواية ابن إسحاق، عن الزُّهري بلفظ: "فإن عليك إثم الأَكَّارين" (¬3). زَادَ البَرْقَاني في روايته: "يعني الحراثين"، ويؤيده أيضًا ما
¬__________
(¬1) "صحيح البخاري" (كتاب العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله) برقم (97).
(¬2) هو سراج الدين البلقيني كما سبق.
(¬3) أخرجه الطبري في "تاريخه" (2/ 130)، والطبراني في "المعجم الكبير" (8/ 19).

الصفحة 202