كتاب النكت على صحيح البخاري (اسم الجزء: 1)

أعظم منه، وقد ورد ذَلِكَ صريحًا عند المؤلف في قصة إبراهيم -عليه السلام- من طريق حفص بن غِيَاث [75 / ب] عن الأَعْمَش، ولفظه: قلنا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قَالَ: "ليس كما تقولون {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}: بشرك، أَوَلَمْ تسمعوا إلَى قول لقمان"، فذكر الآية (¬1).
واستنبط منه المَازري جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونازعه القاضي عِيَاض فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده، فما هِيَ الحاجة؟
ويُمكن أن يقال: المعتقدات أيضًا تحتاج إلَى البيان، [فلما أجمل الظلم حتى تناول إطلاقه جميع المعاصي شق عليهم حتى ورد البيان] (¬2)، فما انتفت الحاجة، والحق أن في القصة تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنهم حيث احتاجوا إليه لم يتأخر.
قوله: (ولَم يلبسوا) أي: لم يخلطوا، تقول: لَبَسْتُ الأمر ألْبَسه بالفتح في الماضي، والكسر وبالتخفيف [في] (2) المستقبل؛ أي: خلطته. وتقول: لَبِسْتُ الثوب أَلْبِسْه بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل، وَقَالَ مُحَمَّد بن إسماعيل التيمي في شرحه: خَلْط الإيمان بالشرك لا يُتصور، فالمراد: أنهم لم تحصل لهم الصفتان كفر متأخر عن الإيمان المتقدم؛ [أي] (2): لم يرتدوا، ويجوز أن يُراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا؛ أي: لم ينافقوا، وهذا أوجه؛ ولهذا عقبه بباب علامات المنافق، وهذا من بديع ترتيبه.
* فائدة:
في هذا الإسناد رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: وهم الأعمش، عن شيخه إبراهيم بن يزيد النَّخعي، عن خاله عَلْقَمة بن قيس النَّخعي، والثلاثة كوفيون فقهاء.
وعبد الله الصحابي هو ابن مسعود، وهذه الترجمة أحد ما قيل فيه: إنه أصح
¬__________
(¬1) "صحيح البُخَاريّ" (كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا. . .}) برقم (3360).
(¬2) زيادة من "الفتح".

الصفحة 317