كتاب مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (اسم الجزء: 1)

وَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ إِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْوَعْدِ» ثُمَّ قَرَأَ {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268] وَقَالَ تَعَالَى {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: 12] قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا: قَوُّوا قُلُوبَهُمْ، وَبَشَّرُوهُمْ بِالنَّصْرِ، وَقِيلَ: احْضُرُوا مَعَهُمُ الْقِتَالَ، وَالْقَوْلَانِ حَقٌّ، فَإِنَّهُمْ حَضَرُوا مَعَهُمُ الْقِتَالَ، وَثَبَّتُوا قُلُوبَهُمْ.
وَمِنْ هَذَا الْخِطَابِ وَاعِظُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَمَسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَرَبَ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى كَنَفَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ، لَهُمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ، وَدَاعٍ يَدْعُو فَوْقَ الصِّرَاطِ، فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ، فَلَا يَقَعُ أَحَدٌ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ حَتَّى يَكْشِفَ السِّتْرَ، وَالدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ» فَهَذَا الْوَاعِظُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ الْإِلْهَامُ الْإِلَهِيُّ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ.
وَأَمَّا وُقُوعُهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ بَعْدُ، وَالْجَزْمُ فِيهِ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ: النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الْخِطَابِ الْمَسْمُوعِ: خِطَابُ الْهَوَاتِفِ مِنَ الْجَانِّ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُخَاطِبُ جِنِّيًّا مُؤْمِنًا صَالِحًا، وَقَدْ يَكُونُ شَيْطَانًا، وَهَذَا أَيْضًا نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخَاطِبَهُ خِطَابًا يَسْمَعُهُ بِأُذُنِهِ.

الصفحة 70

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text