كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 1)

والثاني: أنه كان سجودًا على الحقيقة لآدم، قاله مجاهد.
والثالث: أنه جعل آدم قبلةً لهم وسجودهم لله تعالى، كما جُعلت الكعبة قبلةً لصلاة المؤمنين، والصّلاة لله رب العالمين.
وقال ابن مسعود: سجدت الملائكة لآدم، وسجد هو لله تعالى.
وقال أبيُّ بن كعب: معنى سجودهم أنَّهم أقرُّوا لآدم أنه خير وأكرم على الله منهم.
وحدثنا يحيى بن الأَوَاني، بإسناده عن ضمرة بن ربيعة، عن قادم بن مسور قال: قال عمر بن عبد العزيز: لمّا أمر الله الملائكة بالسُّجود لآدم أوَّل من سجد له إسرافيل، فأثابه الله بأن كتب القرآن في جبهته (¬1).
قوله تعالى: {إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34] أي: امتنع وتعظَّم، و"كان" بمعنى صار في علم الله أنه من الذين وجبت عليهم الشقاوة.
وقال السُّدي: لما امتنع إبليس من السجود قال له الله: ما منعك أن تسجد له؟ قال: أنا خير منه. قال: بماذا؟ قال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] ألستُ الذي استخلفتني في الأرض، وجعلتني حاكمًا عليها وعلى الملائكة، وألبستني الرِّيش، ووشَّحتني بالنور، وتوجتني بالكرامة، وجعلتني خازن السماوات، وعبدتك ثمانين ألف سنة، وكنت من المقرَّبين؟ فقال الله تعالى: {قَال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} وقال {فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} [الحجر: 34 - 35 - 36 - 37].
وقال ابن عباس: قال الله له: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] منهم من أجراه على ظاهره، ومنهم من قال: يد القدرة. وقال أبو إسحاق الثَّعلبي: بإسناده عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قَرأَ ابنُ آدَمَ السَّجدَةَ وسَجدَ اعتزَلَ الشَّيطانُ يَبكِي ويقُولُ: يا وَيلَهُ أُمِرَ ابنُ آدَمَ بالسُّجُودِ فَسجَدَ، فله الجنَّةُ، وأمِرتُ بالسُّجُود فأبَيتُ فليَ النَّارُ" (¬2).
¬__________
(¬1) وأخرجه ابن الجوزي في "المنتظم" 1/ 203، وسلف ص 216 من هذا الجزء.
(¬2) أخرجه مسلم (81).

الصفحة 246