كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 1)

لقَد كَذَبَ الوَاشُونَ ما بُحتُ عِندهم ... بسِرٍّ ولا راسَلْتُهم برَسُول (¬1)
ومن شرط الرَّسول أن يكون ذكرًا، وقال بعض الناس: يجوز أن يكون أنثى، واحتجُّوا بأنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أربع نبيَّات بعثهنَّ الله: حوَّاء وأمُّ موسى وأمُّ عيسى وامرأةُ فرعون" (¬2).
ولعامَّة العلماء قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا} [يوسف: 109].
ولأنَّ الرِّسالة تقتضي الاشتهار بالدَّعوة، والأنوثة توجب الستر، وبينهما تنافٍ لما عرف من نقصان المرأة.
ولا يجب قبول قول الرَّسول حتى يقيم الدَّليل على صدق دعواه.
وقالت الخوارج: يجوز قبل إظهار المعجزة ويجب قبول قوله، وذلك باطل، لأنه لا يقع الفرق بين الصَّادق والكاذب إلا بإظهار المعجزة التي هي خارجة عن قوى البشر.
فإن قيل: فلمَ أرسل الرّسل من جنسنا ولم يكونوا من الملائكة؟
فالجواب من وجوه: أحدها: لأنهم لو لم يكونوا من جنسنا لم يشفقوا علينا.
والثاني: لأنَّا إذا أخطأنا شفعوا فينا. والثالث: لأنَّا إذا عرفنا نسبه وحسبه كان أبلغ في تصديقنا إيَّاه، ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128].
فأمَّا ما يتعلّق برسالة نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - فسنذكره في سيرته إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى في سورة هود عليه السّلام: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [هود: 25] الآية، روى مجاهد عن ابن عباس قال: كانوا يضربونه حتَّى يغشى عليه، فيلفّ في لِبَد، فيرون أنه قد مات، ثم يقوم فيدعوهم إلى الله تعالى ويقول: اللهمَّ اهدهم وإلَّا فصَبِّرني.
وقال مقاتل: لبث يدعو قومه تسع مئة وخمسين سنة، قال الله تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14] أي: أقام داعيًا إلى الله.
¬__________
(¬1) "الصحاح": (رسل)، و"رواية الديوان" ص 278: "بليلى ولا أرسلتهم برسيل".
(¬2) لم نقف على من خرج هذا الخبر، وأورده القرطبي في "تفسيره" 9/ 274.

الصفحة 316