كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)
قال: يَقُولُونَ: إنَّهُ شَاعِرٌ وسَاحِرٌ وكَاهِنٌ -وكَانَ أُنَيْسُ شَاعِرًا-.
فقَالَ أُنَيْسٌ: قَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الكُهَّانِ، فَمَا يَقُولُ بِقَوْلهِمْ، وقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أقْرَاءِ الشِّعْرِ (¬1)، فَوَاللَّهِ مَا يَلْتَئِمُ لِسَانُ أَحَدٍ أَنَّهُ شِعْرٌ، واللَّهِ إنَّهُ لَصَادِقٌ، وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.
فقَالَ أَبُو ذَرٍّ -رضي اللَّه عنه-: هَلْ أَنْتَ كَافِيَّ حتَّى أنْطَلِقَ فَأَنْظُرَ؟ (¬2)
قَالَ: نَعَمْ، فكُنْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى حَذَرٍ، فإنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ (¬3)، وتَجَهَّمُوا (¬4) لَهُ.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ -رضي اللَّه عنه-: فَانْطَلَقْتُ حتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ، فتَضعَّفْتُ (¬5) رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أيْنَ هذَا الرَّجُلُ الذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟
فأشَارَ إِلَيَّ، وَقَالَ: الصَّابِئُ، فَمَالَ أَهْلُ الوَادِي عَلَيَّ بِكُلِّ مَدَرَةٍ (¬6)، وَعَظْمٍ حتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، فَارْتَفَعَتُ حِينَ ارْتَفَعَتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أحْمَرُ (¬7)،
¬_________
(¬1) أقْرَاءُ الشِّعْرِ: أي طرُقُ الشِّعْرِ وأنوَاعهُ وبُحُورُهُ. انظر النهاية (4/ 28).
(¬2) في رواية مسلم في صحيحه قال -رضي اللَّه عنه-: فاكفِنِي حتَّى أذهَبَ فأنْظُرَ.
(¬3) شَنِفُوا له: أي أبْغَضُوهُ. انظر النهاية (2/ 451).
(¬4) تَجَهَّمَنِي القَوْمُ: إذا لَقُونِي بالغِلْظَةِ، والوجه الكَرِيهِ. انظر النهاية (1/ 311).
(¬5) قال الإمام النووي في شرح مسلم (16/ 24): يعني نَظَرْتُ إلى أضْعَفِهِمْ، فسألتُهُ؛ لأن الضَّعِيفَ مأمُونُ الغائِلَةِ غَالبًا.
(¬6) المَدَرُ: هو الطِّينُ المُتَمَاسِكُ. انظر النهاية (4/ 264).
(¬7) النُّصُبُ: بضم النون هو الصَّنَمُ، وكانوا في الجاهلية يَنْصُبُونَ الصنم، ويَذْبَحونَ عنده، فيَحْمَرُّ بالدم، ويَقْصِدُ -رضي اللَّه عنه-: أَنَّ مِنْ كْرَةِ الدِّماءِ التي سَالتْ منهُ صار كأنَّهُ الصَّنَمُ المُمْتَلِئُ بالدِّماء من كثرةِ ما يُذْبَحُ عنده. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (16/ 24) - النهاية (5/ 52).
الصفحة 242