كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)

فقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه-: يا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ، قَالَ: فَفَعَلَ.
فانْطَلَقَ رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأَبُو بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه-، وانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، حتَّى فتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ -رضي اللَّه عنه-: فكَانَ ذَلِكَ أوَّلَ طَعَامٍ أكَلْتُهُ بِهَا، فَلَبِثْتُ مَا لَبِثْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقَالَ: "إِنِّي قَدْ وُجِّهْتُ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ، ولَا أحْسِبُهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌّ عَنِّي قَوْمَكَ؟ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ ويَأْجُرَكَ فِيهِمْ؟ ".
قَالَ أَبُو ذَرٍّ -رضي اللَّه عنه-: فَانْطَلَقْتُ حتَّى أتَيْتُ أخِي أُنَيْسًا، فقَالَ لِي: مَا صَنَعْتَ؟
قُلْتُ: صَنَعْتُ أنِّي أسْلَمْتُ وصَدَّقْتُ.
قَالَ أُنيْسٌ: فَمَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ (¬1)، فإنِّي قَدْ أسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ، ثُمَّ أتَيْنَا أُمَّنَا، فقَالَتْ: فَمَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فإنِّي أسْلَمْتُ وصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا حتَّى أتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارٍ، فأسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وكَانَ يَؤُمُّهُمْ إيمَاءُ بنُ رَخَصَةَ الْغِفَارِيُّ، وكَانَ سَيِّدَهُمْ.
ثُمَّ قَدِمَتْ قَبِيلَةُ غِفَارٍ عَلَى رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهُوَ فِي المَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وصَادَفَ قُدُومُهُمْ قُدُومَ قَبِيلَةِ أسْلَمَ، فَلَمَّا أعْلَنُوا إسْلَامَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قَالَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ" (¬2).
¬__________
(¬1) قال النووي في شرح مسلم (16/ 26): أي لا أكرهُه، بل أدخُلُ فيه.
(¬2) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي ذر -رضي اللَّه عنه- رقم الحديث (2473) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (21525).

الصفحة 245