كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)

يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا}.
أيْ كَيْفَ فَهِمُوا تَوْحِيدَكَ ربَّكَ إِنْ كُنْتَ جَعَلْتَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً، وفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، وبَيْنَكَ وبَيْنَهُمْ حِجَابًا بِزَعْمِهِمْ، أي: إنِّي لَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} أي ذَلِكَ ما تَوَاصَوْا بِهِ مِنْ تَرْكِ ما بَعَثْتُكَ بهِ إِلَيْهِمْ {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} أيْ أَخْطَؤُوا المَثَلَ الذِي ضَرَبُوا لكَ، فَلا يُصِيبُونَ بهِ هُدًى، ولا يَعْتَدِلُ لَهُمْ فيهِ قَوْلٌ: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} أي: قَدْ جِئْتَ تُخْبِرُنَا أنَّا سَنُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِنَا إِذَا كُنَّا عِظَامًا ورُفَاتًا، وذَلِكَ ما لا يَكُونُ {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} (¬1) أيْ: الذِي خَلَقَكُمْ مِمَّا تَعْرِفُونَ، فَلَيْسَ خَلْقُكُمْ مِنْ تُرَابٍ بِأَعَزَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ (¬2).
4 - مُسَاوَمَاتٌ حَاوَلُوا بِهَا أَنْ يَلْتَقِي الإسْلامُ والجَاهِلِيَّةُ في مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ بأنْ يَتْرُكَ المُشْرِكُونَ بَعْضَ ما هُمْ عَلَيْهِ، ويَتْرُكَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعْضُ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ (¬3) فَيُدْهِنُونَ} (¬4).
¬__________
(¬1) سورة الإسراء آية (45 - 51).
(¬2) انظر سيرة ابن هشام (1/ 353).
(¬3) قال الإمام القرطبي في تفسيره (21/ 147): الإدِّهَانُ: هُوَ اللِّين والمُصَانَعَةُ.
(¬4) سورة القلم آية (9).

الصفحة 253