كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)

قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالِيَ المُكْرَهُ عَلَى الكُفْرِ، إبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ (¬1)، ويَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلالٌ -رضي اللَّه عنه- يَأْبى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وهُمْ يَفْعَلُونَ بهِ الأفَاعِيلَ، حتَّى إِنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ العَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ في شِدَّةِ الحَرِّ، ويَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ باللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ، وهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ. ويَقُولُ: واللَّهِ لَوْ أعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ أغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضَاهُ، وكذَلِكَ حَبِيبُ بنُ زَيْدٍ الأنْصَارِيُّ -رضي اللَّه عنه- (¬2) لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلَمَةُ الكَذَّابُ: أتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أتَشْهَدُ أنِّي رسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لا أسْمَعُ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إِرَبًا إرَبًا (¬3) وهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ.
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: والأَفْضَلُ والأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ المُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، ولَوْ أَفْضَى إِلَى قتلِهِ (¬4).
¬__________
= وأوردَهُ الحافظ في الفتح (12/ 278) وقال: هو مُرْسل ورجاله ثِقاتٌ، وذكره من عدة طُرق مُرسلة، وقال: وهذه المَرَاسيل يُقوِي بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.
(¬1) المُهْجَةُ: الرُّوحُ. انظر لسان العرب (13/ 206).
(¬2) هوَ حَبِيبُ بنُ زَيْدٍ الأنْصَارِيُّ الخَزْرَجِيُّ، شَهِدَ العَقَبَةَ، وشَهِدَ أُحُدًا والخَنْدَقَ والمشَاهِدَ معَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أرسَلَهُ الرسولُ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مُسَيْلَمَةَ الكَذَّاب، صَاحِبَ اليَمَامَةِ، فَكَانَ مُسيلمَةُ إذا قال له: أتشهَدُ أَنَّ محمدًا رسول اللَّه؟ قال: نَعَمْ، وإذا قال: أتشهَدُ أني رسول اللَّه؟ قال: أنا أصَمُّ لا أسْمَعُ، فَفَعَلَ ذلك مِرَارًا، فَقَطَّعَهُ مُسيلمَةُ عُضْوًا عُضْوًا حتى ماتَ -رضي اللَّه عنه-. انظر أسد الغابة (1/ 421).
(¬3) الإرَبُ: العُضْوُ. انظر النهاية (1/ 39).
(¬4) انظر تفسير ابن كثير (4/ 606).

الصفحة 266