كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)
ولَمَّا مَرَّ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -رضي اللَّه عنه- عَلَى قَبْرِهِ، وهُوَ مُنْصَرِفٌ مِنْ صِفِّينَ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ خَبَّابًا أسْلَمَ رَاغِبًا، وهَاجَرَ طَائِعًا، وعَاشَ مُجَاهِدًا، وابْتُلِيَ في جِسْمِهِ أحْوَالًا، ولَنْ يُضِيعَ اللَّهُ أَجْرَهُ (¬1).
وقَائِمَةُ المُعَذَّبِينَ في اللَّهِ طَوِيلَةٌ ومُؤْلمَةٌ جِدًّا، فَمَا مِنْ أحَدٍ عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ إِلَّا تَصَدَّوْا لَهُ وآذَوْهُ.
قَالَ الشَّيْخُ عَلِيّ الطَّنْطَاوِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: احْتَمَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّ شَيْءٍ الضَّرْبَ، والجَرْحَ، والحَرْقَ، والجُوعَ، والسَّهَرَ، واسْتَحْلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ المَرَائِرَ، واسْتَحَبُّوا بَعْضَ المَكَارِهِ إلى النُّفُوسِ إِنْ كَانَ فِيهَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى (¬2).
فَلَمْ تَلْقَ قُرَيْشٌ نَجَاحًا في صَرْفِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ.
قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد سَعِيد رَمَضَان البُوطِي: أوَّلُ ما قَدْ يَخْطُرُ في بَالِ المُتَأَمِّلِ، حِينَمَا يَرَى قِصَّةَ ما لَقِيَهُ رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصْحَابُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِنْ صُنُوفِ الإيذَاءِ والعَذَابِ، هُوَ أَنْ يَتَسَاءَلَ: فِيمَ هَذَا العَذَابُ الذِي لَقِيَهُ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصْحَابُهُ وهُمْ عَلَى حَقٍّ؟ ولِمَاذَا لَمْ يَعْصِمْهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ، وهُمْ جُنُودُهُ
¬__________
= وأصل الحديث في صحيح البخاري - كتاب المرضى - باب تمني المريض الموت - رقم الحديث (5672) - ومسلم في صحيحه - كتاب الذكر والدعاء - باب تمني كراهة الموت - رقم الحديث (2681).
(¬1) انظر تحفة الأحوذي (4/ 13).
(¬2) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص 14.
الصفحة 270