كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)

* آيَةُ الرُّوحِ مَكِّيَّةٌ أَمْ مَدَنِيَّةٌ؟ .
قُلْتُ: وَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ اليَهُودَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَنِ الرُّوحِ، وهُوَ في المَدِينَةِ، فَعَنِ ابنِ مَسْعُودٍ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: بَيْنَمَا أنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَرْثٍ (¬1)، وهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ (¬2)، إذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ فقالُوا: مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ (¬3)؟ لا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءِ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ مَكانِي، فَلَمَّا نَزَلَ الوَحْيُ قَالَ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (¬4).
قَالَ الحافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: قَدْ يُجابُ عَنْ هَذَا: بأنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَزَلَتْ عَلَيْهِ بالمَدِينَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً كَمَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بأَنَّهُ يُجِيبُهُمْ عَمَّا سَأَلُوهُ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمِ إنْزالُها عَلَيْهِ (¬5).
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: يُمْكِنُ الجَمْعُ بِأَنْ يَتَعَدَّ النُّزُولُ بِحَمْلِ سُكُوتِهِ في
¬__________
(¬1) قال الإمام النووي في شرح مسلم (17/ 113): أي موضع الزرع.
(¬2) العَسِيبُ: هو جَرِيدَةُ النَّخْلِ. انظر النهاية (3/ 212).
(¬3) ما رَابَكُمْ إليهِ: ما حاجتكم إليه. انظر النهاية (2/ 260).
(¬4) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} - رقم الحديث (4721) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين - باب سُؤالِ اليهُودِ للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الروح - رقم الحديث (2794).
(¬5) انظر تفسير ابن كثير (5/ 114).

الصفحة 308