كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)

* انْتِشَارُ خَبَرِ إِسْلَامِهِ -رضي اللَّه عنه-:
رَوَى ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ والإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ أَبِي عُمَرُ -رضي اللَّه عنه-، لَمْ تَعْلَمْ قُرَيْشٌ بِإِسْلَامِهِ، فَقَالَ: أَيُّ قُرَيْشٍ أَنْقَلُ لِلْحَدِيثِ؟ قَالَ: قِيلَ لَهُ: جَمِيلُ بنُ مَعْمَرٍ الجُمَحِيُّ (¬1)، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: وَغَدَوْتُ أَتْبَعُ أَثَرَهُ، أنْظُرُ مَا يَفْعَلُ، وأَنَا غُلَامٌ، أعْقِلُ كُلَّ مَا رَأَيْتُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ يَا جَمِيلُ أَنِّي قدْ أسْلَمْتُ، ودَخَلْتُ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ؟ قَال: فَوَاللَّهِ مَا رَاجَعَهُ حَتَّى قَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وأَتْبَعُهُ عُمَرُ، واتَّبَعْتُ أَبِي، حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! -وَهُمْ فِي أنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الكَعْبَةِ-، ألَا إِنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ مِنْ خَلْفِهِ: كَذَبَ، ولَكِنِّي قَدْ أسْلَمْتُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَثَارُوا إِلَيْهِ، فَمَا بَرِحَ يُقَاتِلُهُمْ ويُقَاتِلُونَهُ حَتَّى قَامَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، ونَالَ مِنْهُ الْإِعْيَاءُ (¬2) فَقَعَدَ.
قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ حُلَّةٌ (¬3) حَتَّى وَقَفَ
¬__________
(¬1) هو جميلُ بنُ معمرِ بنِ حبيبٍ الجُمَحِيُّ، وكان لا يكتُمُ ما استُودِعه مِنْ سِرٍّ، وخبره في ذلكَ مع عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- مشهورٌ لمَّا أسلم عمر، أسلمَ جميلٌ عام الفتح، وكان مُسِنًّا وشهدَ مع رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حُنَينًا، ومات فِي خلافةِ عُمر، وحزنَ عليهِ عُمر حُزنًا شديدًا.
(¬2) أي عَجَزَ وتَعِبَ. انظر النهاية (3/ 301).
(¬3) الحُلَّةُ: واحدةُ الحُلَلِ، وهِيَ بُرودُ اليَمَنِ، ولا تُسمَّى حُلَّة إلا أن تكونَ ثَوبيْنِ منْ جِنْسٍ واحِدٍ. انظر النهاية (1/ 415).

الصفحة 352