كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)

عَنْهُمْ بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ (¬1)، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ لَهُمْ أرْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا، لَكِنَّ عَمْرَو بنَ الْعَاصِ أَصَرَّ عَلَى رَأْيِهِ.
فَلَمَّا كَانَ الغَدُ غَدَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَقَالَ لَهُ: أيُّهَا المَلِكُ! إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّجَاشِيُّ يَسْأَلُهُمْ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ النَّجَاشِيِّ إِلَيْهِمْ. قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ لِبَعْضٍ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ، إِذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ؟ .
قَالُوا: نَقُولُ وَاللَّهِ مَا قَالَ اللَّهُ، وَمَا جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا، كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ.
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى النَّجَاشِيِّ، قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟
فَقَالَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ -رضي اللَّه عنه-: نَقُولُ فِيهِ الذِي جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا -صلى اللَّه عليه وسلم-، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، ورُوحُهُ، وكَلِمَتُهُ (¬2) ألقاهَا إِلَى مَرْيَمَ العَذْرَاءَ البَتُولِ (¬3).
فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ بِيَدِهِ الأرْضَ، فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا العُودَ (¬4).
¬__________
(¬1) خَضْرَاءُهُمْ: أي دَهْمَاؤُهُم وسَوَادُهُم ومُعْظمُهُم. انظر النهاية (2/ 40).
(¬2) قال الإِمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (2/ 113): ومعنى كلمتِهِ: أي قال له، كما قال لِآدمَ حينَ خلقهُ من تُرابٍ: كُنْ فَيَكُونُ.
(¬3) امرأةٌ بَتُولٌ: أي مُنْقَطِعَةٌ عن الرِّجالِ لا شهوَةَ لهَا فِيهِمْ. انظر النهاية (1/ 95).
(¬4) قال السندي في شرح المسند (2/ 218): أي: هذا القدر، يريد: أن قدره هذا، ولا يتجاوز عنه إلى ما يقوله الظلمة من البنوة، وغيرها.

الصفحة 382