كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)
* إِخْبَارُ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَمَّهُ بِنَقْضِ الصَّحِيفَةِ:
وكَانَ الرَّسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدْ أَخْبَرَ عَمَّهُ أبَا طَالِبٍ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَطْلَعَهُ عَلَى أمْرِ الصَّحِيفَةِ، وأنَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهَا الأَرَضَةَ (¬1) فَلَحَسَتْ كُلَّ مَا كَانَ فِيهَا مَنْ جَوْرٍ، أَوْ ظُلْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ بُهْتَانٍ (¬2)، وَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْمًا للَّهِ إِلَّا أَثْبَتَتْهُ فِيهَا.
وفِي رِوَايَةٍ: لَمْ تَتْرُكِ الأَرَضَةُ اسْما للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا لَحَسَتْهُ، وبَقِيَ مَا فِيهَا مِنْ شِرْكٍ، أَوْ ظُلْمِ بَغْيٍ، وَالرِّوَايَةُ الأُولَى أَثْبَتُ (¬3)، فَلَمَّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ذَلِكَ لِعَمِّهِ، قَالَ لَهُ: أرَبُّكَ أخْبَرَكَ بِهَذَا؟
قَالَ: "نَعَمْ"، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: لَا وَالثَّوَاقِبِ (¬4) مَا كَذَبْتَنِي.
* صِدْقُ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِيمَا قَالَ:
فَانْطَلَقَ يَمْشِي فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ، حَتَّى أَتَوا المَسْجِدَ، فَلَمَّا رَأَتْهُمْ قُرشٌ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ شِدَّةِ البَلَاءِ لِيُسْلِمُوهُمْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فتَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَتْ أُمُورٌ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ، فَأْتُوا بِصَحِيفَتِكُمْ التِي فِيهَا مَوَاثِيقُكُمْ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ صُلْحٌ -وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَنْظُرُوا فِي الصحِيفَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا بِهَا- ثُمَّ قَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ لِأُعْطِيَكُمْ أَمْرًا
¬__________
(¬1) الأرَضَةُ: هِيَ دُوَيْبَةٌ تَأْكُلُ الخَشَبَ ونحوه. انظر لسان العرب (1/ 119).
(¬2) البُهْتَانُ: هوَ الكَذِبُ والافْتِرَاءُ. انظر النهاية (1/ 162).
(¬3) انظر فتح الباري (7/ 590).
(¬4) الثَّوَاقِبُ: هي الكَوَاكبُ المُضِيئَةُ. انظر لسان العرب (2/ 111).
الصفحة 401