كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)

النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ البَابِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: يَا ابْنَ أَخِي! هَؤُلَاءِ أشْرَافُ قَوْمِكَ، قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ، لِيُعْطُوكَ وليَأْخُذُوا مِنْكَ، وفِي لفظٍ: هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ، وَقَدْ سَأَلُوكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ، ويَدَعُوكَ وإِلَهَكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ فَقَدْ أنْصَفُوكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذِهِ، هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيَّ كلِمَةً إِنْ أَنْتُمْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمْ بِهَا العَرَبَ، ودَانَتْ لَكُمْ بِهَا العَجَمُ؟ ".
وفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: يَا ابْنَ أَخِي! مَا تُرِيدُ مِنْ قَوْمِكَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أُرِيدُ مِنْهُمْ كلِمَةً وَاحِدَةً تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ العَجَمُ الجِزْيَةَ"، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: كَلِمَةً وَاحِدَةً؟ قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ"، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: نَعَمْ وأَبِيكَ، وعَشْرَ كَلِمَاتٍ.
وفِي رِوَايَةٍ: قَالَ أَبُو جَهْلِ مِنْ بَيْنِ القَوْمِ: إِنَّ هَذِهِ لَكَلِمَةٌ مُرْبِحَةٌ، لَنُعْطيَنَّكَهَا وَعَشرًا مَعَهَا فمَا هِيَ؟ .
قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تَقُوُلونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وتَخْلَعُونَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ".
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللَّهِ يَا ابْنَ أَخِي مَا رَأَيْتُكَ سَأَلْتَهُمْ شَطَطًا (¬1).
¬__________
(¬1) أي ما ظَلَمْتَهُم بسُؤَالِكَ. انظر النهاية (2/ 425).
الشَّطَطُ: هوَ الجَوْرُ في الحُكْم. انظر لسان العرب (7/ 119).
ومنهُ قوله تَعَالَى في سورة الكهف آية (14): {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوْا فَقَالُوْا رَبُّنَا =

الصفحة 405