كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)

أَمَّا زُعَمَاءُ المُشْرِكِينَ فَصفَّقُوا بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ قَالُوا: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَجْعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا؟ إِنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا هَذَا الرَّجُلُ بِمُعْطِيكُمْ شَيْئًا مِمَّا تُرِيدُونَ، فَانْطَلِقُوا وَامْضُوا عَلَى دِينِ آبَائِكُمْ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ، ثُمَّ قَامُوا مِنْ عِنْدِهِ وَهُمْ يَقُولُونَ: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ، وَإِلَهَكَ الذِي يَأْمُرُكَ بِهَذَا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (¬1) (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (¬2) (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ (¬3) حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ
¬__________
= رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا}.
(¬1) قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عيينه: أي ذِي الشَّأنِ والمَكَانَةِ. انظر تفسير ابن كثير (7/ 51).
(¬2) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (7/ 51): أي إِنَّ في هذا القرآن لَذِكْرًا لمن يتذَكَّر، وعِبْرة لمن يَعْتَبِرَ، وإنما لم يَنتفِعْ بهِ الكافِرُونَ لأنَّهُمْ "في عِزَّةٍ" أي اسْتِكْبَارًا عنهُ وحَمِيَّة، و"شِقَاق" أي: مُخَالفَةٍ له ومُعَانَدَةٍ ومُفَارَقَةٍ.
(¬3) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (7/ 52 - 53): هذه الكلمة وهي "لَاتَ"، هِي: "لا" التِي للنَّفْي، زِيدتْ معها "التَّاءُ"، كما تزادُ في "ثَمَّ"، فيقولون: ثَمَّتَ، و"رُبَّ"، فيقولون: رُبَّتْ، وهي مَفْصُولةٌ، والوَقْفُ عليها.
وأنشدَ بعضُهُم: وَلَاتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ.
بِخَفْضِ السَّاعة، وأهلُ اللغةِ يَقولونَ: النَّوَصُ: التَّأْخُّرُ، والبَوَصُ: التَقَدُّمُ، ولهذَا قَال تَعَالَى: {وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ}: أي ليسَ الحِينُ حِينَ فِرَارٍ ولا ذَهَابٍ.

الصفحة 406