كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)

أتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (¬1) وَمَالِي وَلَا لبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ" (¬2).

* قَوْلَةٌ جَمِيلَةٌ لِلشَّيْخِ عَلِي الطَّنْطَاوِي:
قَالَ الشَّيْخُ عَلِي الطَّنْطَاوِي رَحِمَهُ اللَّهُ: وانْطَلَقُوا يُؤْذُونَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويَتَوَعَّدُونَهُ، لَعَلَّ التَّرْهِيبَ يَفْعَلُ فِيهِ مَا لَمْ يَفْعَلِ التَّرْغِيبُ. . . رَمَوْا في طَرِيقِهِ الشَّوْكَ وَهُوَ مَاشٍ، وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ أحْشَاءَ النَّاقَةِ وهُوَ سَاجِدٌ، ورَمَوْهُ في الطَّائِفِ بِالحِجَارَةِ، وأَسَالُوا دَمَهُ، وهَزئُوا بِهِ، وسَلَّطُوا عَلَيْهِ سُفَهَاءَهُمْ.
فَلَمْ يُثِرْ هَذَا كُلَّهُ غَضَبَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولَكِنْ أثَارَ إشْفَاقه، إشْفَاقَ الكَبِيرِ عَلَى الأطَفْالِ المُؤْذِينَ، والعَاقِلِ عَلَى المَجَانِينَ، وكَانَ جَوَابُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (¬3).
وَأَوْغَلَتْ قُرَيْشٌ في كُفْرِهَا، وصَدِّهَا، وعِنَادِهَا، ولَكِنْ هَلْ تَقْدِرُ قُرَيْشٌ أَنْ تُطْفِئَ نُورَ اللَّهِ؟ (¬4).
¬__________
(¬1) قال الطيبِي: تأكيد للشُّمول: أي ثلاثين يومًا وليلةً متواتِرَات، لا ينقصُ منها شيءٌ من الزَّمان. انظر تحفة الأحوذي (7/ 215).
(¬2) والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (14055) - والترمذي في جامعه - كتاب صفة القيامة والرقائق والورع - باب رقم (28) - رقم الحديث (2640).
(¬3) أخرج هذا الحديث: ابن حبان في صحيحه - كتاب الرقائق - باب الأدعية - رقم الحديث (973) وإسناده حسن - لكن بلفظ: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" - وأخرجه البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب (54) - رقم الحديث (3477) عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يحكي قصة نبي من الأنبياء مع قومه، فدعا لقومه بمثل هذا الدعاء.
(¬4) انظر كلام الشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه: رجال من التاريخ ص 13 - 14.

الصفحة 440