كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)

إِنَّ هَذَا الكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ البِلَادِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مِنْ أَهْلِ أَيِّ البِلَادِ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ؟ وَمَا دِينُكَ؟ " (¬1)
قَالَ: نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى (¬2)، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بنِ مَتَّى؟ " فَقَالَ عَدَّاسٌ: وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ بنُ مَتَّى؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ذَاكَ أَخِي كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ".
فَأَكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقَبِّلُ رَأْسَهُ، ويَدَيْهِ، وَقَدَمَيْهِ، وأَسْلَمَ (¬3).
¬__________
= وجعلَ لَهُ مَخْرجًا".
أخرجه ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (5220) - وإسناده صحيح علي شرط الشيخين.
وقال الإمام أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فيما نقله عنه ابن القيم في زاد المعاد (4/ 213): إذا جَمَعَ الطعامُ أربعًا، فقد كَمُلَ: إذا ذُكر اسمُ اللَّهِ في أوَّلِه، وحُمِدَ اللَّه في آخرِه، وكثُرَتْ عليهِ الأيدِي، وكان مِنْ حَلَالٍ.
(¬1) قال الشيخ علي الطنطاوي في كتابه رجال من التاريخ ص 27: وهنا مَوْقِفٌ عَجَبٌ من العَجَبِ، الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذه الحالِ من الشدَّة، وفي هذا الموقف الذِي يُقنطُ أجْلد الأبطَالِ، رأى بادِرَةَ قبولٍ للدعوَةِ عندَ عبدٍ ضَعِيفٍ يُقال له: عَدَّاسٌ، فلم يمنعْهُ كلُّ ما لَقِيَ من أن يُبَلِّغَهُ دعوةَ اللَّه تَعَالَى، وينصَرِفَ إليه، ويَنْسَى ألَمَهُ وتعَبَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتَّى أسلم عَدَّاس، هذا موقفٌ صَغِيرٌ بالنسبةِ للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولكنَّه عَظِيمٌ عَظِيم بالنسبةِ إلى دُعَاة البَشَرِ في كل تَوَاريخِهم، ولا يستطيعُ باحِثٌ أن يلقى في الإخلاص للدعوَةِ، ونسيانِ الذَّات في سَبِيلها، مَوقِفًا مثلَهُ لِرَجل آخرَ غير الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(¬2) نِينَوَى: بكسر أوله، وسكون ثانيه، هي قريةُ يُونس بن متى عليه السلام بالموصل في العِراق. انظر معجم البلدان (5/ 391).
(¬3) أسلَمَ عَدَّاس -رضي اللَّه عنه-، وهو معدودٌ في الصحابة، وفي سِيَرِ التيميِّ أن عَدَّاسًا قال: وأنا أشهدُ أنك عبدُ اللَّه ورسوله. انظر الإصابة (4/ 385).

الصفحة 450