كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)

وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، والطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ (¬1)، وقَالُوا: انْتَظِرُوا مَا يَأْتِيكُمْ بِهِ السُّفَّارُ (¬2)، فَإِنَّ مُحَمَّدًا لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ، فَجَاءَ السُّفَّارُ، فَقَالُوا: ذَاكَ (¬3).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ -أَي انْشِقَاقُ القَمَرِ- فِي كَثِيرٍ مِنْ بِقَاعِ الأَرْضِ، ويُقَالُ أَنَّهُ أُرِّخَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ بِلَادِ الهِنْدِ (¬4).
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ وَقَعَ انْشِقَاقُ القَمَرِ لَجَاءَ مُتَوَاتِرًا واشْتركَ أَهْلُ الأَرْضِ فِي مَعْرِفَتِهِ وِلَمَا اخْتُصَّ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ ذَلِكَ وقَعَ لَيْلًا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ نِيَامٌ، وَالأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ، وَقَلَّ مَنْ يَرْصُدُ السَّمَاءَ إِلَّا النَّادِرُ، وَقَدْ يَقَعُ بِالمُشَاهَدَةِ فِي العَادَةِ أَنْ يَنْكَسِفَ القَمَرُ،
¬__________
= سِحْرٌ سَحَرَنا به.
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه - صفات المنافقين وأحكامهم - باب انشقاق القمر - رقم الحديث (2802) وأخرجه أحمد في مسنده - رقم الحديث (12688).
(¬1) قال الحافظ في الفتح (1/ 58): وابن أبي كَبْشَةَ أرادُوا به رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبو كَبْشَةَ هو الحارِثُ بن عَبْدِ العُزَّى والد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من الرضاعة، زوجُ حَلِيمَةَ السعدية.
(¬2) السُّفَّار: أي المُسَافرون. انظر النهاية (2/ 335).
(¬3) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (697) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (293).
(¬4) انظر البداية والنهاية (3/ 131).

الصفحة 526