كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 1)
8 - قَبِيلَةُ بَنِي مُحَارِبٍ:
رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: انتهَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَى بَنِي مُحَارِبِ بنِ خَصْفَةَ، فَوَجَدَ فِيْهِمْ شَيْخًا ابنَ مائةِ سَنَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةٍ، فكلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَدَعَاهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَنْ يَمْنَعَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالة رَبِّهِ، فَقَالَ الشَّيْخُ: أَيّها الرَّجُلُ! قَوْمُكَ أَعْلَمُ بِنَبَئِكَ، وَاللَّهِ لَا يَؤُوبُ (¬1) بِكَ رَجُلٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا آبَ بِشَرِّ مَا يَؤُوبُ بِهِ أَهْلُ المَوْسِمِ، فَأَغْنِ عَنَّا نَفْسَكَ، وَإِنَّ أَبَا لَهَبٍ لقائِمٌ يَسْمَعُ كَلَامَ المُحَارِبِيِّ، ثُمَّ وَقَفَ أَبُو لَهَبٍ عَلَى المُحَارِبِيِّ فَقَالَ: لَوْ كَانَ أَهْلُ المَوْسِمِ كُلُّهُمْ مِثْلَكَ لَتَرَكَ هَذَا الدِّيْنَ الذِي هُوَ عَلَيْهِ، إِنَّهُ صَابِئٌ (¬2) كَذَّابٌ، فَقَالَ المُحَارِبِيُّ، أَنْتَ وَاللَّهِ أَعْرَفُ بِهِ، هُوَ ابنُ أَخِيكَ، لُحْمَتُكَ (¬3)، ثُمَّ قَالَ المُحَارِبِيُّ: لَعَلَّ بِهِ يَا أَبَا عُتْبَةَ لَمَمًا (¬4)، فَإِنَّ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ الحَيِّ يَهْتَدِي لِعِلَاجِهِ، فَلَمْ يَرْجعْ أَبُو لَهَبٍ بِشَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا رَآهُ وَقَفَ عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءَ العَرَبِ صَاحَ بِهِ أَبُو لَهَبٍ: إِنَّهُ صَابِئٌ كَذَّابٌ (¬5).
¬__________
(¬1) الأَوْبُ: الرُّجُوعُ. انظر النهاية (1/ 79).
ومنه قوله تعالى في سُورة ق آية (32): {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ}.
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (7/ 406): أي رَجَّاعٌ تائِبُ مُقْلِعٌ.
(¬2) يُقالُ صَبَأَ فلانٌ: إذا خَرَجَ مِنْ دِينٍ إلى دِينٍ غَيْرِهِ، وكانت العربُ تُسَمِّي النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الصَابِئَ؛ لأنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِينِ قُرَيْشٍ إلى دِيْنِ الإسلامِ. انظر النهاية (3/ 3).
(¬3) اللُّحْمَةُ بالضَّمِّ: القَرَابَةُ. انظر لسان العرب (12/ 254).
(¬4) اللَّمَمُ: هو طَرَفٌ مِنْ الجُنونِ يُلِمُّ بالإنسانِ: أيْ يَقْرَبُ مِنْهُ ويَعْتَرِيهِ. انظر النهاية (4/ 233).
(¬5) انظر دلائل النبوة لأبي نعيم (1/ 293).
الصفحة 539