كتاب مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (اسم الجزء: 1)
بابٌ في انتِزاَع (¬1) الأَمانةِ من القلوبِ وَرفْعها، وَأن القلبَ إذا أشْرَبَهُ الميل إلى الفتنة والى صَاحبُها (¬2)، وَلم ينكرْها بقلبهِ، وركن إلى صاحِبِه ران على قلبهِ، وانتُزِعَ الإيمان منهُ
¬_________
(¬1) في (م)، و (ك): "بيان انتزاع الأمانة"، وكانت في (م) كما في الأصل المثبت هنا، ولكن ضُرب على كلمتي "باب في" كتب بدلها: "بيان".
(¬2) ظهر لي في قراءة هذه الترجمة أن الفعل: "أَشْرَبه" بالبناء للمعلوم، وفاعله: الميل.
وكلمة "والى" كأنه فعل ماضٍ من الموالاة، وكأن معنى إشراب القلب بالميل إلى الفتنة: استغراق ذلك الميل للقلب، والفعل "والى" هو جواب الشرط وجزاؤه؛ حيث إن هذه الموالاة لصاحب الفتنة نتيجتها كون القلب إليه، ويتبع هذا الركون: عدم الإنكار، واتخاذ الداعي إلى الفتنة صاحبًا وخليلًا يَركَنُ إليه من تمكَّنت الفتنة من قلبه حتى تؤدِّي إلى الرين على القلب، فَيُنتَزَع منه الإيمان والله أعلم.
211 - حدثنا الحسن بن علي بن عَفَّان العَامريُّ (¬1)، حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا الأَعمشُ، عن زَيد بن وَهب (¬2)، عن حُذيفةَ قال:
-[350]- حدثنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حَديثين، فرأيت أحدَهما، وَأنا أنتظِرُ الآخر، حَدثنا "أنَّ الأمانةَ تنزل في جَذر قلوبِ الرجال (¬3)، وَنزل القُرآن فَعَلموا من القرآن، وعَلموا من السُّنَّة، ثم حَدثنا عن رفعِها -يَعني الأمانة- فَيَنام الرجلُ النَّومةَ فَتُقْبَضُ الأمانة من قلبهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا كأثر الوكْتِ (¬4)، ثم ينام النومةَ فتُنْزع الأمانةُ من قلبه فيظلُّ أثرُها كأثرِ المَجْل (¬5)؛ كجَمْرٍ دَحْرَجْتَه على رجلك فَنَفِطَ، فتراه منْتَبِرًا (¬6) وليس فيه شيءٌ، ولقد كنتُ
-[351]- وَما أبالي أيُّكم بايعْتُ (¬7)، لئن كان مُسلمًا لَيَرُدَّنَّه عَليَّ (¬8) دينُه، ولئن (¬9) كان نصْرانِيًّا ليرُدَّنَّه عَليَّ ساعيه (¬10)، وَأما اليوم فلم أكن لأبايعَ منكم إلا فلانًا وَفلانًا، فيُصبح الناس يتبايَعُون وما يَكاد أحدٌ (¬11) يودِّي الأمانةَ حتى يقالَ: إن في بني فلانٍ رجلًا أمينًا، وحتى يُقال للرجل: ما أجلَدَه، وما أظْرفَه وأعقلَه، وَما في قلبه مثقالُ حَبةٍ من خرْدلٍ مِن إيمانٍ" (¬12).
¬_________
(¬1) نسبته: "العامري" سقطت من (ك).
(¬2) الجُهني، أبو سليمان الكوفي، رحل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقُبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في الطريق، توفي سنة (96 هـ)، وثقه الأئمة، ولم يتكلَّم فيه سوى يعقوب بن سفيان الذي قال: "حديث زيد به خللٌ كثير"، وقال الذهبي: "من أجلَّة التابعين وثقاتهم" ورمز له "صح" وتعقَّب يعقوبَ بن سفيان في كلامه على زيد، وقال الحافظ ابن حجر: "ثقة جليلٌ، لم يصب من قال: في حديثه خلل" انظر: المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان (2/ 769)، الميزان للذهبي (2/ 107)، التقريب (2159).
(¬3) جاء تفسير بعض غريب هذا الحديث في صحيح البخاري عن أبي عبيد قال: قال الأصمعي وأبو عمرو (بن العلاء) وغيرهما: جذر قلوب الرجال، الجذر: الأصل من كلِّ شيء، والوَكْت: أثر الشيء اليسير منه، والمجْل: أثر العمل في الكفِّ إذا غلظ.
وسيأتي ذكر موضعه في التخريج، وهو في غريب الحديث لأبي عبيد (4/ 118) بزيادات بسيطة.
ونقل النووي عن صاحب التحرير معنى الحديث: "أن الأمانة تزول من القلوب شيئًا فشيئًا، فإذا زال أول جزءٍ منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت وهو اعتراض لون مخالف لِلَّون الذي قبله، فإذا زال شيءٌ آخر صار كالمجْل وهو أثرٌ محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شبَّه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها، ثم يزول الجمر ويبقى التنفط". انظر: شرح مسلم للنووي (2/ 169).
(¬4) انظر التعليق السابق.
(¬5) انظر التعليق السابق.
(¬6) أي: مرتفعًا، وأصل هذه اللفظة: الارتفاع، ومنه المنبر لارتفاعه، وارتفاع الخطيب عليه.
قاله النووي في شرح مسلم (2/ 169).
(¬7) معنى المبايعة هنا: البيع والشراء المعروفان، قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "تأوله بعض الناس على بيعة الخلافة، وهذا خطأٌ كيف يكون وهو يقول: إن كان نصرانيًّا ردَّه عليَّ ساعيه. فهل يبايع النصراني على الخلافة، وإنما أراد مبايعة البيع والشراء".
ونسب البغوي -وتبعه ابن حجر- هذا الكلام للخطابي، والخطابي إنما نقله عن أبي عبيد.
انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (4/ 119)، أعلام الحديث للخطأبي (3/ 2254)، شرح السنة للبغوي (15/ 6)، الفتح (11/ 342).
(¬8) في (م): "إليَّ" وكذا في الموضع الذي بعده: "ليردَّنه إليَّ ساعيه".
(¬9) في (ك): "وإن".
(¬10) أي: رئيسهم الذي يَصْدُرون عن رأيه، ولا يُمضون أمرًا دونه، ويقال: أراد بالساعي الوالي عليه يقول: ينصفني منه وإن لم يكن مسلمًا، كل من ولي شيئًا على قوم فهو ساعٍ عليهم، ومنه يقال لعامل الصدقة: ساعٍ. قاله البغوي في شرح السنة (15/ 6) ويحتمل أن يراد به هنا الذي يتولى قبض الجزية. قاله الحافظ في الفتح (11/ 342).
(¬11) في (ك): "أحدهم".
(¬12) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الرقاق- باب رفع الأمانة (الفتح 11/ 341 =
-[352]- = ح 6497) من طريق سفيان عن الأعمش به.
وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان -باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب، وعرض الفتن على القلوب (1/ 126 ح 230) من طريق وكيع وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش به. وأخرجه أيضًا من طريق عبد الله بن نمير وعيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش به.