كتاب مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (اسم الجزء: 1)

315 - حدثنا إسحاق بن سَيَّارٍ (¬1)، حدثنا الأنصاريُّ (¬2)، ح
وحدثنا عمار بن رجاءٍ (¬3)، حدثنا يزيد بن هارونَ قالا: حدثنا هشامٌ، عن الحسن (¬4)، عن عمران بن حُصَين قال: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "يَدْخُلُ
-[495]- الجَنَّةَ ... "، وذَكَر الحديثَ (¬5) بنحوه، وَأَتَمَّ مِنْهُ (¬6).
¬_________
(¬1) ابن محمد النَّصِيبي، أبو يعقوب.
(¬2) محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، أبو عبد اللَه البصري، توفي سنة (215 هـ).
وثقه ابن سعد، وابن معين، وأبو حاتم، والترمذي، والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات.
وأُنكِر عليه حديث واحد، وقال أبو داود: "تغَّير تغيُّرًا شديدًا" لذا أورده ابن الكيال في الكواكب النيِّرات، ولم يميِّز بين من روى عنه قبل الاختلاط أو بعده.
وقد وثقه الذهبي في السير، ورمز له "صح" في الميزان، ووثقه الحافظ ابن حجر أيضًا.
وقد تابعه يزيد بن هارون وغيره على حديثه هذا، فالحمد لله.
انظر: الطبقات لابن سعد (7/ 294)، سنن الترمذي (5/ 46 ح 2678)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (7/ 305)، الثقات لابن حبان (7/ 443)، تاريخ بغداد للخطيب (5/ 408)، تهذيب الكمال للمزي (25/ 539)، سير أعلام النبلاء (9/ 532)، وميزان الاعتدال للذهبي (3/ 600)، التقريب لابن حجر (6046)، الكواكب النِّيرات لابن الكيال (ص: 394).
(¬3) التَّغْلبي، أبو ياسر الأستراباذي.
(¬4) الحسن البصري -كما سبق قريبًا- كثير الإرسال والتدليس، وقد عنعن هنا، ونفى يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، وأبو حاتم وغيرهم سمَاعه من عمران بن حُصَين، فهذه رواية منقطعة، ولكن تابع الحسنَ: ابن سيرين -كما سبق-، والشعبي =
-[495]- = عند البخاري، والحكم بن الأعرج عند مسلم كما سيأتي في التخريج.
انظر: العلل لابن المديني (ص: 51)، المراسيل لابن أبي حاتم (ص: 40) جامع التحصيل للعلائي (ص: 163 - 165).
(¬5) كلمة: "الحديث" ليست في (ط) و (ك)، وعليها في (م) ضربٌ بالقلم.
(¬6) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الطب- باب من اكتوى أو كوى غيره، وفضل من لم يكتو (الفتح 10/ 163 ح 5705) من طريق عامر الشعبي عن عمران بن حُصينٍ، به.
وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان -باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (1/ 198 ح 371) من طريق المعتمر بن سليمان عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: حدثني عمران بن حُصين، به.
وأخرجه أيضًا (ح 372) من طريق الحكم بن الأعرج عن عمران بن حُصَينٍ، به.
وأخرجه الإمام أحمد في المسند (4/ 436) عن يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن الحسن، به.
وأخرجه أيضًا (4/ 441) عن يزيد بن هارون عن هشام عن ابن سيرين، به.
تنبيه:
ورد في ح (311) من طريق سعيد بن منصور زيادة لفظة "ولا يرقون" لم ترد في الطرق والروايات الأخرى، وقد أنكر هذه اللفظة شيخ الإسلام ابن تيمية وقال بأنها ضعيفة وغلط من راويها، لأن الاسترقاء طلب، وهو من جنس الدعاء، وطلبه غير مستحب، وأما الراقي فهو محسن لغيره فلا يطلب منه ترك الإحسان، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرقي نفسه وغيره، ولم يكن يسترقي ورقيته لنفسه ولغيره من جنس الدعاء لنفسه ولغيره، وهذا مأمورٌ به، وقد أذن لأصحابه في الرقى وقال: "من استطاع أن =
-[496]- = ينفع أخاه فليفعل" والنفع مطلوب، وأما المسترقي فإنه يسأل غيره ويرجو نفعه، وتمام التوكل ينافي ذلك.
وتعقَّبه الحافظ ابن حجر بقوله: "وأجاب غيره بأن الزيادة من الثقة مقبولة، وسعيد بن منصور حافظ، وقد اعتمده البخاري ومسلم، واعتمد مسلم على روايته هذه، وبأن تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه، والمعنى الذي حمله على التغليط موجود في المسترقي لأنه اعتل بأن الذي لا يطلب من غيره أن يرقيه تام التوكل، فكذا يقال له: والذي يفعل غيره به ذلك ينبغي ألا يُمَكِّنَه منه لأجل تمام التوكل، وليس في وقوع ذلك من جبريل دلالة على المدعى ولا في فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- له أيضا دلالة لأنه في مقام التشريع وتبيين الأحكام، ويمكن أن يقال إنما ترك المذكورون الرقى والاسترقاء حسما للمادة؛ لأن فاعل ذلك لا يأمن أن يكل نفسه إليه وإلا فالرقية في ذاتها ليست ممنوعة وإنما منع منها ما كان شركا أو احتمله ومن ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: "اعرضوا على رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" ففيه إشارة إلى علة النهي كما تقدم ذلك واضحا في كتاب الطب".
وكلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فيه نظر، من وجوه:
أولًا: أن سعيد بن منصور لم يتابعه أحدٌ على هذه اللفظة، فقد رواه عن هُشَيم أيضًا: سُريج، وأُسَيد بن زيد -كما سبق تخريجه من حديثهما- ولم يذكرا هذه اللفظة، ورواه غير هُشَيمٍ عن حُصَين، فرواه محمد بن الفضيل، وعبثر بن القاسم، وسليمان بن كثير، ويحيى بن المهلب، وحُصَين بن نُمَير، وشعبة كلهم عن حُصَين وليست عندهم هذه اللفظة، وسبق تخريج رواياتهم في ح (311 و 312).
والحديث قد رواه صحابة آخرون عن النبي صلى الله عليه وسلم غير ابن عباس، وليس في شيءٍ من تلك الطرق هذه اللفظة، فقد روى الحديث عمران بن حصين، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو هريرة رضي الله عنهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.=
-[497]- = أما حديث عمران فقد سبق تخريجه قريبًا، وأما حديث ابن مسعود فأخرجه عبد الرزاق في المصنف (10/ 408)، وأحمد في المسند (1/ 401، 421)، والبخاري في الأدب المفرد (ص: 195)، وأبو يعلى في المسند (5/ 151 - 521)، والحاكم في المستدرك (4/ 577) -وصححه ووافقه الذهبي-، وابن عبد البر في التمهيد (5/ 267) وغيرهم، وليس عندهم قوله: "ولا يرقون".
وحديث جابر وأنس رضي الله عنهما أخرجه البزار في مسنده -كما في مجمع الزوائد (10/ 406 - 408) وليست فيه تلك اللفظة أيضًا.
وأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه الطبراني في الأوسط (8/ 97 ح 8083) وإسناده حسن، وأصله في الصحيحين.
هذا وقد حكم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني على لفظة: "ولا يرقون" التي في رواية سعيد بن منصور بأنها شاذةٌ في مختصره لصحيح مسلم. (ص: 37 ح 101).
ويؤيِّد هذا ما أخرجه الخطيب في الأنباء المحكمة (ص: 105) من طريق أحمد بن نجدة -وهو ثقة -، عن سعيد بن منصور نفسه بدون ذكر هذه اللفظة: "ولا يرقون".
فتبيَّن هذا أنه حصل التفرُّد بهذه اللفظة في طريقٍ من طرق حديث ابن عباس، بينما خلت سائر الطرق عن ابن عباس منها، وانضمَّ إلى ذلك خلو أحاديث الصحابة الآخرين منها في سائر الطرق عنهم، فهذا من أقوى الأدلة على شذوذه هذه اللفظة.
ثانيًا: أن من أوجه الترجيح عند العلماء هو تقدىم ما رواه البخاري على ما رواه مسلم عند الاختلاف، وقد روى البخاري رحمه الله هذا الحديث من أوجهٍ عدة ليست في أيٍ منها هذه اللفظة، فيتعيَّن ترجيحُ روايته.
ثالثًا: أن نصوص الشرع قد فرقت بين الراقي الذي هو الفاعل، وبين المسترقى الذي هو طالب الرقية لأنه بمنزلة طلب الدعاء من الغير، أما رقية جبريل للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ورقية النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه وأصحابه وأمر أصحابه بأن يرقوا فدليلٌ على استحبابهَا، وليس في =
-[498]- = شيءٍ من ذلك طلب الرقية.
وطلب الرقية مكروه لقوله: "ولا يسترقون" لأنه ينافي تمام التوكل كما قال شيخ الإسلام، وهناك نصوصٌ أخرى تؤيد ذلك مثل حديث المغيرة بن شعبة: "من اكتوى أو استرقى، فقد برئ من التوكل" وفي لفظ: "لم يتوكل من استرقى أو اكتوى" أخرجه الترمذي في سننه -كتاب الطب- باب ما جاء في كراهية الرقية (4/ 393 ح 2055) وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ، وابن ماجه في السنن كتاب الطب -باب الكي (12/ 154 ح 3489)، والإمام أحمد في المسند (4/ 249)، وابن حبان في صحيحه (7/ 629 ح 6055)، والحاكم في المستدرك (41514) وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني.
ولم يذكر فيها الراقي، ويؤيده أيضًا أن قوله: "ولا يكتوون"، و"اكتوى" ينصبُّ على من طلب الكي، ولم يرد في هذه النصوص ذكر الكاوي الذي هو الفاعل وهو لا يشمله، وقد جاء في صحيح مسلم (4/ 1730) أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كوى معاذًا في أكحله.
رابعًا: ذكر الحافظ أيضًا أن علة النهي عن الرقية والاسترقاء هو الشرك، وهذا صحيح فإن الرقية والاسترقاء إذا كان شركًا فهو منهيٌّ عنه مطلقًا، ولكن في النهي عن طلب الرقية (الاسترقاء) الوارد في حديث "السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب" معنى زائدًا وهو منافاته لتمام التوكل، لأنه ذكر فيه أيضًا الاكتواء وليست علة النهي عنه الشرك كما هو واضح، وهؤلاء المذكورون في الحديث لهم فضيلة أخرى فضلًا عن بعدهم عن تعاطي الشرك وأسبابه، وهو: تمام توكُّلهم المستحب على الله عز وجل، والله أعلم.
وذكر الشيخ سليمان صاحب "تيسير العزيز الحميد": أنه لو كان المراد في الحديث بأنهم لا يرقون ولا يسترقون بما كان فيه شركًا، فإن جملة المؤمنين لا يرقون بما كان شركًا فلا يكون للسبعين ألفًا مزية على غيرهم. =
-[499]- = وأجاب أيضًا عن قول الحافظ في معرض رده على شيخ الإسلام: "فكذا يقال: والذي يفعل غيره به ذلك ينبغي أن لا يُمَكِّنَه منه لأجل تمام التوكل" قال: "لا يصحُّ هذا القياس، فإنه من أفسد القياس، وكيف يقاس من سأل وطلب على من لم يسأل؟ مع أنه قياس مع وجود الفارق الشرعي، فهو فاسد الاعتبار؛ لأنه تسوية بين ما فرق الشارع بينهما بقوله: "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل"، وكيف يجعل ترك الإحسان إلى الخلق سببًا للسبق إلى الجنان؟ وهذا بخلاف من رَقَى أو رُقِي من غير سؤال ... ".
وكما سبق أن الرقية دعاءٌ، فإذا دعا داعٍ لأناسٍ أكل عندهم، أو زارهم، أو لقيهم، من غير طلب منهم وافق السنَّة بخلاف من طلبوا الدعاء وسألوه ذلك كما هو ظاهر، فإن في ذلك منافاةٌ لتمام التوكُّل المستحب.
وأما قوله -أي الحافظ ابن حجر-: "ويمكن أن يقال: إنما ترك المذكورون الرقى والاسترقاء حسمًا للمادة، لأن فاعل ذلك لا يأمن أن يكل نفسه إليه"؛ فهذا فيه مغالطة فيمكن أن يقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه أولى من دخل في عداد السبعين ألفًا، فما بالهم لم يحسموا المادة فيتركوا الرقى والاسترقاء!!، والأولى أن يقال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كره الاكتواء، وبيَّن فضل ترك الاسترقاء، مع بيان جواز الأمرين: الاسترقاء، والاكتواء، وأن المرَّة ونحوها في الاسترقاء والاكتواء لا تضرُّ، لكن المداومة على ذلك تنافي كمال التوكُّل المستحب، والله أعلم.
انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (1/ 182، 328)، فتح الباري لابن حجر (11/ 416) تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ص: 108)، سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (1/ 435)، الرُّقَى على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة للدكتور علي بن نفيع العلياني (ص: 25 وما بعدها)، التداوي بالرقى الإلهية لعامر بن علي ياسين (ص: 25 - 53).

الصفحة 494