كتاب تفسير العثيمين: آل عمران (اسم الجزء: 1)

المراد المستقبل لقوله: "وما خلفهم"، وفي هذه الآية: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ}، أي: لما سبقني من التوراة. وتصديقه للتوراة له وجهان:
الوجه الأول: أنه يقرر صدقها ويقول: إنها كتاب حق.
والوجه الثاني: أنه يصدق ما أخبرت به، فإذا كانت أخبرت به ثم بعث كان مصدقًا لما فيها.
وقوله: {مِنَ التَّوْرَاةِ}، هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه الصلاة والسلام، وهي أصل الكتب المنزلة على بني إسرائيل وأعظمها، بل هي أعظم الكتب فيما نعلم بعد القرآن.
{وَلِأُحِلَّ لَكُمْ}.
أي: وجئتكم أيضًا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم. وقوله: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}، ولم يقل: (كل) والمحرم عليهم ذكره الله في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} [الأنعام: ١٤٦]، وقال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: ١٦٠]، فلما حرمت عليهم هذه الطيبات لظلمهم وعدوانهم، وبعث الله عيسى - صلى الله عليه وسلم - أحل لهم بعض ما حرم عليهم، ولم يُذكر في القرآن بيان هذا البعض فيكون باقيًا على إطلاقه، ولو كان لنا مصلحة في تعيين ذلك لبيَّنه الله.
وقوله: {بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}، الفعل هنا مبني للمجهول، ولكن فاعله معلوم وهو الله عزّ وجل كما قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: ١٤٦].

الصفحة 292