كتاب تفسير العثيمين: آل عمران (اسم الجزء: 1)

لا تتعدى به (صدق)، فيقال: صدق بالخبر، ولا يقال: صدق له، ويقال: صدق زيدًا، ولا يقال: آمن زيدًا، بل آمن به -وآمن له- فلما اختلفا في المتعلق وجودًا وعدمًا علم أنهما ليسا بمعنى واحد، مع أن كثيرًا ممن يعرِّفون الإيمان في اللغة يقولون: الإيمان في اللغة: التصديق، وهذا فيه نظر، بل هو أخص من التصديق، أما الإيمان في الشرع فهو: الإقرار المستلزم للقبول والإذعان. لا يكفي التصديق فقط بل لابد من قبول ما جاء به الرسول والإذعان له، وأنتم تعلمون أن أبا طالب كان مصدقًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعلن ذلك على الملأ فيقول في لاميته المشهورة:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
لا مكذب لدينا، وأنه لا يعني بقول الأباطل ولا يهتم له، ويقول:
ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا
وهذا تصديق، لكن لم يحصل منه القبول والإذعان والعياذ بالله، بل كان آخر كلامه أن قال: إنه على ملة عبد المطلب على الكفر، فشفع له النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه أبلى بلاء حسنًا في الدفاع عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لا لأنه عمه، بل لأنه لو كانت العلة الحاملة لشفاعة الرسول هي القرابة، لشفع لأبي لهب، يقول عليه الصلاة والسلام: "فكان في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (¬١).
---------------
(¬١) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب قصة أبي طالب، رقم (٣٨٨٣). ورواه مسلم، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي طالب، رقم (٢٠٩).

الصفحة 304