كتاب تفسير العثيمين: المائدة (اسم الجزء: 1)

لكن لو قال قائل: ذكرتم أن ضابط حرف الجر الزائد أنه إذا حذف استقام الكلام، وأحيانًا يحذف حرف الجر ويستقيم الكلام وحرف الجر ليس بزائد، كما في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} [البقرة: ١٠٦] وكما في قوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [الأحقاف: ٣١]؟
الجواب: "مِن" في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} ليست زائدة بل "من" بيان لى"ما"؛ لأن "ما" اسم شرط، وأسماء الشرط كلها مبهمة، فجاءت "مِن" للبيان، قال ابن مالك رحمه الله:
وزيد في نفي وشبهه فجر ... نكرة كما لباغ من مفر
وقوله: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} "من بشير": يبشر بالخير، "ولا نذير": يخوف من الشر.
وقوله: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} يعني: فالآن لا حجة لكم قد جاءكم بشير ونذير، وهو رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ختم الله عزّ وجل هذه الآية بالقدرة، إشارة إلى أنه تبارك وتعالى قادرٌ على أن يبعث الرسل وعلى أن لا يبعث الرسل وأن الأمر كله بيده تبارك وتعالى.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أنه ينبغي أن ينادى المخاطب بالوصف الذي يقتضي أن يقوم بما وُجِّه إليه لقوله: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} وهذا موجود في اللغة العربية، فإذا كنت تخاطب مؤمنًا تقول: يا أيها المؤمن، وإذا كنت تخاطب رجلًا تقول: يا أيها الرجل، كأنك تذكر له ما كان ينبغي من أجله أن يستمع إليك ويمتثل ما توجهه

الصفحة 247