كتاب المسند للدارمي - ط التأصيل (اسم الجزء: 1)

وَقَدْ كَانَ أَصَابَ مِنْ مَالِ اللهِ بَكْرًا يَرْتَوِي عَلَيْهِ, وَحَبَشِيَّةً أَرْضَعَتْ وَلَدًا لَهُ, فَرَأَى ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ غُصَّةً فِي حَلْقِهِ, فَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ, وَفَارَقَ الدُّنْيَا تَقِيًّا نَقِيًّا, عَلَى مِنْهَاجِ صَاحِبِهِ, ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ, فَمَصَّرَ الأَمْصَارَ, وَخَلَطَ الشِّدَّةَ بِاللِّينِ, وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ, وَشَمَّرَ عَنْ سَاقَيْهِ, وَأَعَدَّ لِلأُمُورِ أَقْرَانَهَا, وَلِلْحَرْبِ آلَتَهَا, فَلَمَّا أَصَابَهُ قَيْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, أَمَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَسْأَلُ النَّاسَ هَلْ يُثْبِتُونَ قَاتِلَهُ, فَلَمَّا قِيلَ: قَيْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, اسْتَهَلَّ يَحْمَدُ رَبَّهُ أَنْ لاَ يَكُونَ أَصَابَهُ ذُو حَقٍّ فِي الْفَيْءِ, فَيَحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَحَلَّ دَمَهُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ حَقِّهِ, وَقَدْ كَانَ أَصَابَ مِنْ مَالِ اللهِ بِضْعَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا, فَكَسَرَ لَهَا رِبَاعَهُ, وَكَرِهَ بِهَا كَفَالَةَ أَوْلاَدِهِ, فَأَدَّاهَا إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ, وَفَارَقَ الدُّنْيَا تَقِيًّا نَقِيًّا, عَلَى مِنْهَاجِ صَاحِبَيْهِ, ثُمَّ إِنَّكَ يَا عُمَرُ بُنَيُّ الدُّنْيَا, وَلَدَتْكَ مُلُوكُهَا, وَأَلْقَمَتْكَ ثَدْيَيْهَا, وَنَبَتَّ فِيهَا تَلْتَمِسُهَا مَظَانَّهَا, فَلَمَّا وُلِّيتَهَا, أَلْقَيْتَهَا حَيْثُ أَلْقَاهَا اللهُ هَجَرْتَهَا وَجَفَوْتَهَا وَقَذَرْتَهَا, إِلاَّ مَا تَزَوَّدْتَ مِنْهَا, فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَلاَ بِكَ حَوْبَتَنَا, وَكَشَفَ بِكَ كُرْبَتَنَا, فَامْضِ وَلاَ تَلْتَفِتْ, فَإِنَّهُ لاَ يَعِزُّ عَلَى الْحَقِّ شَيْءٌ, وَلاَ يَذِلُّ عَلَى الْبَاطِلِ شَيْءٌ, أَقُولُ قَوْلِي (1) وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَكَانَ عُمُرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ فِي الشَّيْءِ: قَالَ لِيَ ابْنُ الأَهْتَمِ: امْضِ وَلاَ تَلْتَفِتْ.
(الإتحاف: 24576), (البشائر: 99).
_حاشية__________
(1) كتب محققو طبعة دار التأصيل: بعده في حاشية (ملا) دون علامة: «هذا».

الصفحة 258