كتاب الجرح والتعديل (ط الهند) (اسم الجزء: 1)

وقد أصبح الأمير حفظه الله من خليفة المسلمين بحال الأمين المصدق أَن شكا لمن مسه الضر من أمته لم يتهم نصحه ولم يجبه قوله وإن دافع عنهم رهقا، أَو طلب لهم عفوا أخذ بقلب الخليفة توفيقه وأحدث له بما ألقى إِليه من الفضل سرورا إِن شاء الله فجعل الله الأمير لأمتة أمنة ومألفا ورضاهم به وأخذ بأفئدتهم إِليه.
ثم أَنه أتاني من رجل من مقانع أهل مكة كتاب يذكر الذي هم فيه من غلاء أسعارهم وقلة ما بأيديهم منذ حبس عنهم بحرهم وأجدب برهم وهلكت مواشيهم هزلا فالحنطة فيهم مدان بدرهم والذرة مدان ونصف بدرهم والزيت مد بدرهم ثم هو يزداد كل يوم غلاء وأنه إِن لم يأتهم الله بفرج عاجلا لم يصل كتابي حتى يهلك عامتهم، أَو بعضهم جوعا وهم رعية أمير المؤمنين أصلحه الله والمسئول عنهم.
وقد حدثني من سمع الزُّهْري يقول أَن عُمر بن الخطاب في عام الرمادة وكانت سنة شديدة ملحة من بعد ما إجتهد في إمداد الأعراب بالإِبل والقمح والزيت من الأرياف كلها حتى بلحت مما أجهدها قام يدعو الله عز وجل فقال اللهم اجعل أرزاقهم على رؤوس الظراب فاستجاب الله عز وجل له وللمسلمين فأغاث عباده فقال عُمر والله لو أَن الله عز وجل لم يفرجها ما تركت أهل بيت لهم سعة إِلاَّ أدخلت عليهم أعدادهم من الفقراء فإِنه لم يكن اثنان يهلكان من الطعام على ما يقيم الواحد. فبلغنا أَنه حمل إلى عُمر من مصر وحدها ألف ألف أردب، وبلغنا أَن رسول الله صَلى الله عَليه وسَلم قال: هل عسى أحدكم أَن تبيت فصاله رواء وجاره طاو إلى جنبه؟ فإِن رأى الأمير أصلحه الله أَن يلح على أمير المؤمنين في إغاثة أهل مكة ومن حولهم من المسلمين في بره وبحره بحمل الطعام والزيت إِليهم قبل أَن يبتلى بهلاك أحَد منهم جوعا فعل.

الصفحة 192