كتاب الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي (اسم الجزء: 1)

وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثِّقْلَيْنِ، فَإِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي» (١) " حَصْرُ التَّمَسُّكِ بِهِمَا فَلَا تَقِفُ الْحُجَّةُ عَلَى غَيْرِهِمَا.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ اخْتُصُّوا بِالشَّرَفِ وَالنَّسَبِ، وَأَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِ الرِّسَالَةِ، وَمَعْدِنُ النُّبُوَّةِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى أَسْبَابِ التَّنْزِيلِ وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ وَأَفْعَالِ الرَّسُولِ وَأَقْوَالِهِ ; لِكَثْرَةِ مُخَالَطَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنِ الْخَطَأِ
---------------
(١) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَرَ ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّذُرُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ وَمَنْ هُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ، قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا حَثَّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ السُّنَّةَ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْعَسِيفِ، وَلَيْسَ فِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَلَكِنَّهُ حَثٌّ عَلَى صِلَتِهِمْ وَمُرَاعَاتِهِمْ كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُ زَيْدٍ بَعْدَ جَوَابِهِ السَّائِلَ.

الصفحة 246

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text