كتاب تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)

نَفْسَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَمْ يُدْخِلْهُ إِلَّا الْحَيَّةُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ بِهِ الْجَنَّةَ خَرَجَ مِنْ جَوْفِهَا إِبْلِيسُ فَأَخَذَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ آدَمَ وَزَوْجَهُ عَنْهَا فَجَاءَ بِهَا إِلَى حَوَّاءَ فَقَالَ: انْظُرِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ، مَا أَطْيَبَ رِيحَهَا وَأَطْيَبَ طَعْمَهَا وَأَحْسَنَ لَوْنَهَا! فَلَمْ يَزَلْ يُغْوِيهَا حَتَّى أَخَذَتْهَا حَوَّاءُ فَأَكَلَتْهَا. ثُمَّ أَغْوَى آدَمَ، وَقَالَتْ لَهُ حَوَّاءُ: كُلْ فَإِنِّي قَدْ أَكَلْتُ فَلَمْ يَضُرَّنِي، فَأَكَلَ مِنْهَا فبدت لهما سوآتهما وَحَصَلَا فِي حُكْمِ الذَّنْبِ، فَدَخَلَ آدَمُ فِي جَوْفِ الشَّجَرَةِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: أَيْنَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا هَذَا يَا رَبِّ، قَالَ: أَلَا تَخْرُجُ؟ قَالَ أَسْتَحِي مِنْكَ يَا رَبِّ، قَالَ: اهْبِطْ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي خُلِقْتَ مِنْهَا. وَلُعِنَتِ الْحَيَّةُ وَرُدَّتْ قَوَائِمُهَا فِي جَوْفِهَا وَجُعِلَتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي آدَمَ، وَلِذَلِكَ أُمِرْنَا بِقَتْلِهَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَقِيلَ لِحَوَّاءَ: كَمَا أَدْمَيْتِ الشَّجَرَةَ فَكَذَلِكَ يُصِيبُكِ الدَّمُ كُلَّ شَهْرٍ وَتَحْمِلِينَ وَتَضَعِينَ كُرْهًا تُشْرِفِينَ بِهِ عَلَى الْمَوْتِ مِرَارًا. زَادَ الطَّبَرِيُّ وَالنَّقَّاشُ: وَتَكُونِي سَفِيهَةً وَقَدْ كُنْتِ حَلِيمَةً. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ إِلَى آدَمَ بَعْدَ مَا أُخْرِجَ مِنْهَا وَإِنَّمَا أَغْوَى بِشَيْطَانِهِ وَسُلْطَانِهِ وَوِسْوَاسِهِ الَّتِي أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ). وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي فِي الْأَعْرَافِ «١» أَنَّهُ لَمَّا أَكَلَ بَقِيَ عُرْيَانًا وَطَلَبَ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ فَتَبَاعَدَتْ عَنْهُ الْأَشْجَارُ وَبَكَّتُوهُ بِالْمَعْصِيَةِ، فَرَحِمَتْهُ شَجَرَةُ التِّينِ، فَأَخَذَ مِنْ وَرَقِهِ فَاسْتَتَرَ بِهِ، فَبُلِيَ بِالْعُرْيِ دُونَ الشَّجَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِخْرَاجِ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ عِمَارَةُ الدُّنْيَا. الثَّالِثَةُ: يُذْكَرُ أَنَّ الْحَيَّةَ كَانَتْ خَادِمَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْجَنَّةِ فَخَانَتْهُ بِأَنْ مَكَّنَتْ عَدُوَّ اللَّهِ مِنْ نَفْسِهَا وَأَظْهَرَتِ الْعَدَاوَةَ لَهُ هُنَاكَ، فَلَمَّا أُهْبِطُوا تَأَكَّدَتِ الْعَدَاوَةُ وَجُعِلَ رِزْقُهَا التُّرَابَ، وَقِيلَ لَهَا: أَنْتِ عَدُوُّ بَنِي آدَمَ وَهُمْ أَعْدَاؤُكِ وَحَيْثُ لَقِيَكِ مِنْهُمْ أَحَدٌ شَدَخَ رَأْسَكِ. رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ) فَذَكَرَ الْحَيَّةَ فِيهِنَّ. وَرُوِيَ أَنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لَهَا: أَدْخِلِينِي الْجَنَّةَ وَأَنْتِ فِي ذِمَّتِي، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَخْفِرُوا «٢» ذِمَّةَ إِبْلِيسَ. وَرَوَتْ سَاكِنَةُ بِنْتُ الْجَعْدِ عَنْ سَرَّاءَ «٣» بِنْتِ نَبْهَانَ الْغَنَوِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ
---------------
(١). راجع ج ٧ ص ١٨١.
(٢). أي انقضوا عهده وذمامه.
(٣). في التقريب: (بفتح أولها وتشديد الراء المهملة مع المد). وفي أسد الغابة: (بفتح السين وإمالة الراء المشددة، وآخره ياء ساكنة).

الصفحة 313