كتاب تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)
إِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ فَوَدِّعِي ... بِلَادَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِرِ
وَالنَّصْرُ الْمَطَرُ يُقَالُ نُصِرَتِ الْأَرْضُ مُطِرَتْ وَالنَّصْرُ الْعَطَاءُ قَالَ:
إِنِّي وَأَسْطَارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا ... لَقَائِلٌ يَا نَصْرُ نَصْرًا نَصْرَا
وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ الْآيَةِ فِيمَا ذَكَرُوا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَأَبْنَاءُ أَنْبِيَائِهِ وَسَيَشْفَعُ لَنَا آبَاؤُنَا فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ قيه الشَّفَاعَاتُ وَلَا يُؤْخَذُ فِيهِ فِدْيَةٌ. وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّفَاعَةَ وَالْفِدْيَةَ وَالنَّصْرَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَعَانِي الَّتِي اعْتَادَهَا بَنُو آدَمَ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الْوَاقِعَ فِي الشِّدَّةِ لَا يَتَخَلَّصُ إِلَّا بِأَنْ يشفع له أو ينصر أو يفتدي.
[سورة البقرة (٢): آية ٤٩]
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)
فِيهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) " إِذْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفٌ عَلَى" اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ". وَهَذَا وَمَا بَعْدَهُ تَذْكِيرٌ بِبَعْضِ النِّعَمِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِمْ أَيِ اذْكُرُوا نِعْمَتِي بِإِنْجَائِكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَجَعْلِ الْأَنْبِيَاءِ فِيكُمْ وَالْخِطَابُ لِلْمَوْجُودِينَ وَالْمُرَادُ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْآبَاءِ كَمَا قَالَ" إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
" «١» [الحاقة: ١١] أَيْ حَمَلْنَا آبَاءَكُمْ وَقِيلَ إِنَّمَا قَالَ" نَجَّيْناكُمْ" لِأَنَّ نَجَاةَ الْآبَاءِ كَانَتْ سَبَبًا لِنَجَاةِ هَؤُلَاءِ الْمَوْجُودِينَ وَمَعْنَى" نَجَّيْناكُمْ" أَلْقَيْنَاكُمْ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنْهَا هَذَا هُوَ الْأَصْلُ ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ فَائِزٍ نَاجِيًا. فَالنَّاجِي من خرج من ضيق إلى سعة وقرى" وَإِذْ نَجَّيْتُكُمْ" عَلَى التَّوْحِيدِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) " آلُ فِرْعَوْنَ" قَوْمُهُ وَأَتْبَاعُهُ وَأَهْلُ دِينِهِ. وَكَذَلِكَ آلُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ هُوَ عَلَى دِينِهِ وَمِلَّتِهِ فِي عَصْرِهِ وَسَائِرِ الْأَعْصَارِ سَوَاءٌ كَانَ نَسِيبًا لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِهِ وَمِلَّتِهِ فَلَيْسَ مِنْ آلِهِ وَلَا أَهْلِهِ وَإِنْ كَانَ نَسِيبَهُ وَقَرِيبَهُ خِلَافًا لِلرَّافِضَةِ حَيْثُ قَالَتْ إِنَّ آلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاطمة
---------------
(١). راجع ج ١٨ ص ٢٦٣
الصفحة 381