كتاب أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي (اسم الجزء: 1)
١٢ - قال اللَّه تبارك وتعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}
بدأ اللَّه بذكر الوصية قبل الدَّين لفظًا، واللفظ لا يوجب التبدية، وإنما يوجب الكلامُ إخراج الوصية والدين، فكانت البُغْية الأمر بإخراجهما ووضعهما في موضعهما، لأن قوله: {مِنْ بَعْد} كذا وكذا، يريد عز وجل: أن ما بعد هذين الصنفين موروث، قال اللَّه تبارك وتعالى: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: ٢٤]، أي: لا تطع أحد من هذين الصنفين.
وقد يقول الرجل: مررتُ بفلان وفلان، ويكون الثاني هو المُبدَأ به، كما يجوز أن يكون الأول، وهذا اللفظ لا يقتضي التبدية، وإنما يقتضي الأفعال، قال اللَّه تبارك وتعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: ٤٣]، فعلم أنها أُمرت بذلك كله ولم تؤمر بالتبدية، لأن عليًا (¬١) رضوان اللَّه عليه قال (¬٢): "تقرؤون الوصية قبل الدَّين، وقد قضى محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- أن الدَّين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العَلّات"، رواه سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي (¬٣).
وليس توجب الآية عندنا إلا تبدية الدَّين وحده، إذ لا ميراث حتى يُقضى الدَّين، ثم تكون الوصية مشاركة للوارثين غير مُبدأة عليهم ولا مُبْدين عليها،
---------------
(¬١) في الأصل: علي.
(¬٢) في الأصل: أنه قال.
(¬٣) سبق تخريجه.