كتاب جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة (اسم الجزء: 1)

حلومكم يا قوم لا تعزبنها1 ... ولا تقطعوا أرحامكم بالتدابر
وأدوا إلى الأقوام عقل ابن عمهم ... ولا ترهقوهم سبئة في العشائر2
فإن ابن زيراء الذي فاد لم يكن ... بدون خليف أو أسيد بن جابر3
فإن لم تعاطوا الحق؛ فالسيف بيننا ... وبينكم، والسيف أجور جائر
فتظافروا4 علينا حسدًا، فأجمع ذوو الحجى منا أن نلحق بأمنع بطن من الأزد؛ فلحقنا بالنمر بن عثمان، فوالله مافت5 في أعضادنا، فأبنا عنهم، ولقد أثارنا6 صاحبنا وهم راغمون.
فوئب طريف بن العاصى من مجلسه، فجلس بإزاء الحرث، ثم قال:
تالله ما سمعت كاليوم قولًا أبعد من صواب، ولا أقرب من خطل7، ولا أجلب لقدع8 من قول هذا، والله أيها الملك ما قتلوا بهجينهم بذجًا9، ولا رقوا به درجًا، ولا أنطوا10 به عقلًا، ولا أجتفئوا11 به خشلًا12، ولقد أخرجهم الخوف عن أصلهم، وأجلاهم عن محلهم، حتى استلانوا خشونة الإزعاج، ولجئوا إلى أضيق الولاج13: قلا وذلا.
فقال الحارث: أتسمع يا طريف، إني والله ما إخالك كافًا غرب14 لسانك، ولا منهنهًا15 شرة نزوانك، حتى أسطو بك سطوة تكف طماحك، وترد
__________
1 لا تبعدنها - وأعزب: بعد وأبعد.
2 العقل: الدية، يقال: عقلت فلانًا إذا غرمت دينه، وعلقت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته. وأرهقته عسرًا: كلفته ذلك.
3 فاد يفود: مات "وفاد يفيد: تبختر".
4 تظاهروا.
5 أوهن وأضعف.
6 اثأرت: أدركت منه ثأرى "وأصله اثتأر".
7 خطأ.
8 الكلام القبيح، أفذع له إذا أسمعه كلامًا قبيحًا.
9 البذج: الخروف، فارسي معرب.
10 لغة في أعطوا.
11 صرعوا.
12 الخشل: شجرة المقل "الدوم" وهذه أمثال كلها، يريد أنهم لم ينالوا ثأره.
13 الولاج الباب، وجمعه الولج، وهي أيضًا النواحي والأزقة.
14 غرب الشيء: حده.
15 نهنهه عن الأمر فتنهنه: كفه وزجره فكف، والشرة: الحدة، والنزوان: الوثوب.

الصفحة 14