كتاب جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة (اسم الجزء: 1)

عنقه في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا، يا هادي الطريق جرت إنما هو والله الفجر أو البجر1".
فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا يهيضك2 إلى ما بك، فوالله ما زلت صالحًا مصلحًا، لا تأسى على شيء فاتك من أمر الدنيا، ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلا خيرًا.
"تهذيب الكامل 1: 6، وإعجاز القرآن 116، والعقد الفريد 2: 208، وتاريخ الطبري 4: 52".
__________
1 الشر والأمر العظيم. يقول: إن انتظرت حتى يضيء لك الفجر والطريق أبصرت قصدك، وإن خبطت الظلماء وركبت العشواء هجمًا بك على المكروه، وضرب ذلك مثلًا لغمرات الدنيا وتحييرها أهلها.
2 هاض العظم: كسره بعد الجبور.
73- خطبة السيدة عائشة في الانتصار لأبيها:
يروى أنه بلغ عائشة رضي الله عنها أن أقوامًا يتناولون أبا بكر رضي الله عنه فأرسلت إلى أزفلة1 من الناس، فلما حضروا أسدلت2 أستارها، وعلت وسادها، ثم قالت:
"أبي وما أبيه، أبي والله لا تعطوه الأيدي3، وذاك طود منيف4، وفرع5 مديد، هيهات كذبت الظنون، أنجح6 إذ أكديتم، وسبق إذ ونيتم7، سبق الجواد إذا استولى على الأمد8، فتى قريش ناشئًا، وكهفها9 كهلًا، يفك عانيها، ويريش10 مملقها، ويرأب شعبها11، ويلم شعثها، حتى حليته12 قلوبها، ثم
__________
1 جماعة.
2 سدله يسدله: كنصر وضرب وأسدله أرخاه.
3 تتناوله.
4 الطود: الجبل، والمنيف: المشرف.
5 فرع كل شيء أعلاه، ومن القوم شريفهم.
6 أنجح: صر ذا نجح.
7 الكدية: بضم فسكون الأرض الغليظة، والصفاة العظيمة الشديدة، وحفر فأكدى إذا صادفها فلا يمكنه الحفر "وسأله فأكدى وجده مثلها": وونيتم أي فترتم وضعفتم.
8 الغاية والمنتهى.
9 الكهف: الوزر والملجأ، والكهل من جاوز الثلاثين أو أربعًا وثلاثين إلى إحدى وخمسين.
10 راش السهم يريشه ألزق عليه الريش كريشه، والمراد يعينه ويساعده.
11 يصلح. والشعب: الصدع.
12 حل الشيء: استحلاه.

الصفحة 207