كتاب جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة (اسم الجزء: 1)
فجمع حاشيتيه1، ورفع قطريه2، فرد رسن3 الإسلام على غربه4، ولم شعثه بطبه، وانتاش5 الدين فنعشه؛ لما أراح6 الحق على أهله، وقرر الرءوس على كواهلها7 وحقن الدماء في أهبها8، أتته منيته، فسد ثلمته بنظيره في الرحمة، وشقيقه في السيرة والمعدلة، ذاك ابن الخطاب؛ فلله در أم9 حملت به، ودرت عليه، لقد أوحدت10 به، ففنخ11 الكفرة، وديخها12، وشرد الشرك شذر مذر13، وبعج14 الأرض وبخعها15، فقاءت أكلها16 ولفظت خبأها، ترأمه17 ويصدف عنها، وتصدى18 له ويأباها، ثم وزع فيها فيئها، وودعها كما صحبها، فأروني ماذا ترتئون، وأي يومي أبي تنقمون، أيوم إقامته إذا عدل فيكم أم يوم ظعنه إذ نظر لكم19؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ثم أقبلت على الناس بوجهها، فقالت: أنشدكم الله هل أنكرتم مما قلت شيئًا، قالوا: اللهم لا".
"صبح الأعشى 1: 248، والعقد الفريد2: 206، ونهاية الأرب 7: 230".
__________
1 حاشية كل شيء: جانبه وطرفه.
2 القطر: الناحية.
3 الحبل.
4 الغرب: حد الشيء.
5 انتشل، ونعشه الله كأنعشه، ونعشه: رفعه.
6 أراح على فلان حقه: رده عليه.
7 الكاهل: مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق.
8 جمع إهاب، وهو الجلد، والمراد الأجسام.
9 الدر: اللبن والنفس والعمل.
10 أوحدت المرأة: ولدت واحدًا، أي جاءت به منفردًا لا نظير له.
11 أذل وقهر.
12 داخ البلاد ودوخها وديخها: قهرها واستولى على أهلها.
13 تفرقوا شذر مذر: ذهبوا في كل وجه.
14 شقها: كناية عن الفتح.
15 قهر أهلها واستخرج ما فيها من الكنوز وأموال الملوك.
16 الأكل: ما يؤكل، أي أخرجت خيراتها.
17 تعطف عليه، ويصدف أي يعرض.
18 تتعرض.
19 أي فيما يصلحكم فولى عليكم عمر.