كتاب توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (اسم الجزء: 1)

المنادي: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فإن هذا هو محاسبة العباد، فإذا حوسبوا أمروا بأن يتبعوا آلهتهم، ويتجلى الرب لعباده المؤمنين فيتبعونه، وينصب الجسر على ظهر جهنم فيعبر عليه المتقون {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} فالمرة الأولى لقوه وخاطبهم قبل المناداة، وذلك كان عامًّا للعباد، كما يدل عليه سائر الأحاديث ثم حجَب الكفار.
المرة الثانية: التي امتحنهم فيها فأنكروه وهي أدنى من التي رأوه فيها أول مرة، وهذا تفسير ما في حديث أبي هريرة مع أبي سعيد رضي الله عنهما حيث قال: ((فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ)) (¬١).
المرة الثالثة: يكشف لهم عن ساقه حتى يسجدوا له، فهذه التي يعرفون هي التي يكشف فيها عن ساق فيسجدون له.
المرة الرابعة: حين يرفعون رءوسهم- أي: من السجود- كما في صحيح مسلم: ((ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ)) (¬٢).
وقوله: ((فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ)): فيه بيان فضل هذه الأمة؛ إذ إن الرسول صلى الله عليه وسلم أول من يجيز على الصراط، وأمته أول الأمم التي تجتاز الصراط.
وقوله: ((فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ)) وفي رواية في البخاري: ((فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ)) (¬٣) أي: المهلك، وقيل: المحبوس المعاقب، ومنه قوله تعالى: {أو يوبقهن بما كسبوا}، ويُقال: وبق يبق إذا هلك (¬٤).
وقوله: ((فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ)): فيه الرد على
---------------
(¬١) أخرجه البخاري (٧٤٣٧) , ومسلم (١٨٢).
(¬٢) أخرجه البخاري (٧٤٣٧) , ومسلم (١٨٢).
(¬٣) أخرجه البخاري (٨٠٦).
(¬٤) مطالع الأنوار، لابن قرقول (٦/ ١٦٦).

الصفحة 341