كتاب توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (اسم الجزء: 1)

لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ)) (¬١) فَنُهِيَ عَن ذلك.
ولم ينفع لوطٌ ونوحٌ عليهما السلام زوجتيهما، قال تعالى: {وضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئًا وقيل ادخلا النار مع الدخلين}.
كما أن قرب آسيا امرأة فرعون من فرعون لم يضرَّها لما تبرأت منه ومن دينه، قال الله تعالى: {وضرب الله مثلًا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابني لي عندك بيتًا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين}.
وكذلك هنا لما سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ وقال: أين أبي؟ قال: ((فِي النَّارِ))، فكأنما صار في نفس هذا الرجل شيء، فدعاه، فقال له: ((إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ))؛ وذلك لأنه مات في الجاهلية، فهذا محمول على أن دعوة إبراهيم عليه السلام قد بلغتهم؛ ولهذا قال: ((إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ))، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن جدعان، وكان رجلًا في الجاهلية له جفنة عظيمة، يُطعمها الناسَ، فهل ينفعه ذلك؟ قال: ((لا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ))، يعني: لم يؤمن بيوم القيامة.
أما من لم تبلغه الدعوة من أهل الجاهلية فالصواب الذي عليه أهل العلم أنهم يمتحنون يوم القيامة، وذهب إلى ذلك أبو العباس ابن تيمية رحمه الله (¬٢)، وابن القيم رحمه الله (¬٣) وأنه يجرى لهم امتحان، وهناك من أهل الفترة من طلب دين إبراهيم عليه السلام ومات على التوحيد، مثل: قس بن ساعدة الإيادي، وزيد بن عمرو بن نفيل، ويقابلهم من بلغته الدعوة، وقامت عليه الحجة، فهؤلاء يصح فيهم حكم: ((إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ)).
---------------
(¬١) أخرجه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤).
(¬٢) الجواب الصحيح، لابن تيمية (٢/ ٢٩٨).
(¬٣) طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٣٩٦)، أحكام أهل الذمة، لابن القيم (٢/ ١١٣٧).

الصفحة 391