كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 1)

وأما قولُه: "أدْحَرُ". فمعناه أبعدُ من الخيرِ وأهونُ، والأدْحَرُ: المطرُودُ المُبعَدُ من الخير المُهان، يقال: ادْحَرْه عنك؛ أي: اطْرُدْه وأبْعِدْه.
وأمّا قولُه: "يَزَعُ الملائكة". فقال أهلُ اللُّغة: معنى يَزَعُ: يَكُفُّ ويَمنَعُ. إلّا أنّها هاهُنا بمعنى يُعبِّئُهم ويُرتِّبُهم للقتالِ ويَصُفُّهم، وفيه معنَى الكَفِّ؛ لأنَّه يَمْنَعُهم عن الكلام (¬١) من أنْ يَشِفَّ بعضُهم على بعض (¬٢)، ويخرُجَ بعضُهم عن بعضٍ في التَّرتيب.
قالوا: ومنه قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: ١٧]. وقد تَكْني العربُ بهذه اللفظةِ عن الموعظة؛ لِما فيها من معنى الكفِّ والمنع والرَّدع والزَّجر، قال النابغةُ الذبيانيُّ (¬٣):
على حينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا ... وقلتُ ألمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وازعُ
وقال لَبيدٌ العامريُّ (¬٤):
إذا المرءُ أسرَى ليلةً ظنَّ أنَّهُ ... قضَى عمَلًا والمرءُ ما عاشَ عاملُ
فقُولا له إنْ كان يَعقِلُ أمْرَهُ ... ألمَّا يَزَعْكَ الدَّهْرُ أُمُّكَ هابِلُ
---------------
(¬١) قوله: "عن الكلام" لم يرد في ق، ف ١، وهو ثابت في الأصل.
(¬٢) الشَّفُّ: قال ابن سيده في كتاب الأضداد من المحكم ٤/ ١٧٨: "والشَّفُّ الفضْل والنُّقصان"، وقال ابن فارس في مجمل اللغة ١/ ٤٩٧: "والشَّفُّ: الزيادة، يقال: أشْفَفْتُ بعضَ ولدي على بعض، أي: فضَّلتَهم".
(¬٣) ديوانه ص ٤٤.
(¬٤) ديوانه ص ٢٥٤، وعنده في البيت الثاني بلفظ:
فقولا له إن كان يقْسِم أمْرَهُ ... ألمّا يعِظْكَ الدهرُ أُمُّك هابِلُ
وبهذا اللفظ أورده ابن قتيبة في الشعر والشعراء ١/ ٢٧١، والأزهري في تهذيب اللغة ٨/ ٣٢٠، وعبد القادر البغدادي في خزانة الأدب ٢/ ٢٥٢.
وقوله: "أُمُّكَ هابِلُ" هابِل: من هَبلَتْهُ، أي ثكِلتْهُ وعدمتُه. قال الزَّبيدي: قد يُستعمل في معنى المدح والأعجاب، يعني: ما أعلَمَهُ! وما أصوبَ رأيه. تاج العروس (هبل).

الصفحة 289