كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 1)

محمدٍ المحاربيُّ، عن عبدِ الواحدِ بنِ أيمن (¬١)، عن أبيه، قال: قلتُ لجابرِ بنِ عبدِ اللَّه: حدِّثْنا بحديثٍ سمِعْتَه من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْوِيه عنك. قال: فقال جابر: كنّا مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ الخندقِ نَحْفِرُه، فلَبِثْنا ثلاثةَ أيّام لا نَطعَمُ طعامًا، ولا نَقْدِرُ عليه، فعَرضَتْ في الخندقِ كُدْيَةٌ (¬٢)، فجئتُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، هذه كُدْيَةٌ قد عرَضَتْ في الخندق. فرَشَشْنا عليها الماءَ. فقام رسولُ اللَّه وبَطنُه مَعْصوبٌ بحَجَر، فأخَذ المِعْوَلَ أو المِسْحاة، ثم سمَّى ثلاثًا، ثم ضرَب، فعادَتْ كَثيبًا أَهْيَلَ (¬٣)، فلمّا رأيتُ ذلك من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قلتُ: يا رسولَ اللَّه، ائذَنْ لي. فأذِنَ لي، فجِئْتُ امرأتي، فقلتُ: ثكِلتْكِ أُمُّكِ، إنِّي قد رأيْتُ من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا لا صبرَ لي (¬٤) عليه، فما عندكِ؟ قالت: عندي صاعٌ من شعيرٍ وعَناقٌ (¬٥). قال: فطحَنّا الشَّعيرَ، وذبَحْنا العَناقَ وأصلَحْناها، وجعَلْناها في البُرْمَة (¬٦)، وعجَنتِ الشعيرَ، فرجَعْتُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلبِثْتُ ساعةً، ثم اسْتأذنْتُ الثانية، فأذِنَ لي، فجِئْتُ فإذا العَجِينُ قد أمكَن، فأمَرْتُها بالخبز، وجعَلَتِ القِدْرَ على الأثافيّ (¬٧)، ثم
---------------
(¬١) في ف ١: "أنس"، خطأ، وهو من رجال التهذيب ١٨/ ٤٤٦.
(¬٢) الكُدْية: قطعة غليظة صُلْبة يشُقُّ حَفْرُها، ولا تعمل بها الفأس. ينظر: المشارق للقاضي عياض ١/ ٣٣٤، والنهاية في غريب الحديث ٤/ ١٥٦.
(¬٣) قوله: "كثيبًا أهْيَلَ" أي: سيّالًا ككثيب الرَّمْل. يقال: تهيّل الرمْلُ وانهال: إذا سأل. المشارق للقاضي عياض ٢/ ٢٧٤.
(¬٤) في ف ١: "لا أصبر".
(¬٥) قوله: "وعناق" سقط من م، والعَناق: هي الأنثى من المعز ما لم يتِمَّ له سنة. النهاية في غريب الحديث ٣/ ٣١١.
(¬٦) البُرْمة: القِدْر مطلقًا، وجمعُها بِرام، وهي في الأصل المتَّخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن. النهاية في غريب الحديث ١/ ١٢١.
(¬٧) الأثافيّ: جمع أُثْفِيّة، وهي تُخفَّف الياء في الجمع: وهي الحجارة التي تُنصَب وتُجعل القِدْرُ عليها. النهاية في غريب الحديث ١/ ٢٣.

الصفحة 531