كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 1)
بأنَّه انْفَرَدَ به خالدُ بنُ أبي الصَّلْتِ، عن عِرَاكِ بنِ مالِكٍ، عن عائشةَ، وقال في حديثِ ابنِ عمرَ: إنَّما فيه نَسْخُ اسْتِقْبالِ بيتِ المقدسِ واستدبارِه بالغائطِ والبَوْلِ. قال: هذا الذي لا أشُكُّ فيه، وأشُكُّ في الكَعْبَةِ.
وذكَرَ الأثْرَمُ، عن أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ رحِمَه اللَّهُ، أنَّه قال: مَن ذَهَبَ إلى حديثِ عائشَةَ -يعْني حديثَ خالدِ بنِ أبي الصَّلْتِ- فإنَّ مَخْرَجَه حسَنٌ، ولكنَّه يُعْجِبُنِي أنْ يتَوَقَّى القِبْلَةَ، وأمَّا بيتُ المقدِس، فليس في نَفْسي منه شيءٌ، أنَّه لا بَأْسَ به (¬١).
وقال آخَرُون: جائزٌ استقبالُ القِبْلَةِ وبَيْتِ المقدسِ على كُلِّ حالٍ، واستدبارُهما بالبَوْلِ والغائِطِ في الصَّحارِي وفي البُيوت. وذكَرُوا حديثَ جابِرٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن استقبالِ القِبْلَةِ واستدبارِها بالبَوْلِ والغَائِطِ، قال: ثم رأيْتُه بَعْدَ ذلكَ يستقبِلُ القبلةَ ببَوْلِه قَبْلَ مَوْتِه بعام.
رواه محمدُ بنُ إسْحاقَ، عن أبانَ بنِ صالح، عن مجاهدٍ، عن جابر (¬٢).
---------------
(¬١) إلّا أن الأثرم نفسه ذكر عن أحمد إنكاره لحديث عائشة هذا، فقد أخرج ابن أبي حاتم في المراسيل ص ١٦٢ (٦٠٦) بإسناده إلى أحمد بن محمد بن هانئ (يعني الأثرم) قوله: "سمعت أبا عبد اللَّه، وذكر حديث خالد بن الصلت، عن عراك بن مالك، عن عائشة رضي اللَّه عنها، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: حوِّلوا مقعدي إلى القِبْلة. فقال: مرسلٌ، فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة رضي اللَّه عنها، فأنكره وقال: عراك بن مالكٍ من أين سمع عائشة، ما له ولعائشة؟! إنما يروي عن عروة. هذا خطأٌ، قال لي من روى هذا. قلت: حمّاد بن سلمة، عن خالدٍ الحذّاء؟ فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذّاء، ليس فيه سمعت، وقال غير واحد عن حمّاد بن سلمة ليس فيه سمعتُ". وينظر تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٣، ١٧٤. وحديث عراكٍ سيأتي بإسناد المصنف مع تخريجه قريبًا.
(¬٢) أخرجه أحمد في المسند ٢٣/ ١٥٧ (١٤٨٧٢)، وأبو داود (١٣)، وابن ماجة (٣٢٥)، والترمذي (٩)، وابن الجارود في المنتقى (٣١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٤ (٦٥٩٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٥٨)، وابن حبّان في صحيحه ٤٥/ ٢٦٨ (١٤٢٠)، والدارقطني في سننه ١/ ٩٣ (١٦٢)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٥٤، والبيهقي في الكبرى ١/ ٩٢ (٤٤٩). ورجال إسناده ثقات. وقد صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث كما في المصادر، فانتفت شُبهة تدليسه، على أنَّ الإمام الترمذي اقتصر على تحسينه، فقال: حسن غريب.