كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 1)

وزعَم أصحابُ أبي حنيفةَ أنَّ حديثَ أبي هريرةَ هذا في قصةِ ذي اليدَيْنِ منسوخٌ بحديثِ ابنِ مسعودٍ وحديثِ زيدِ بنِ أرقمَ اللذين ذكرْنا. قالوا: وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ بيانُ أنَّ الكلامَ كان مُباحًا في الصلاةِ ثم نُسِخَ. قالوا: فحديثُ ابنِ مسعودٍ ناسخٌ لحديثِ أبي هريرةَ في قصةِ ذي اليدينِ. قالوا: وإن كان أبو هريرةَ مُتأخرَ الإسلام فإنَّه أرسَل حديثَ ذي اليدَيْنِ كما أرسَل حديثَ: "منْ أدركَهُ الفجرُ جُنبًا فلا صومَ له" (¬١)، ثم أضافَه إلى مَن حدَّثَه به إذ سُئلَ عنه. قالوا: وكان كثيرَ الإرسالِ، وجائزٌ للصاحبِ إذا أخبرَه الصحابةُ بشيءٍ أن يُحدِّثَ به عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا لم يقلْ: سمِعتُ. ألا ترَى أنَّ ابنَ عباسٍ حدَّث عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بما لا يَكادُ يُحصَى كثرةً من الحديثِ، ومعلومٌ أنَّه لم يَسمعْ منه إلا أحاديثَ يسيرةً؟
وقالوا: ألا ترَى إلى أنسِ بنِ مالكٍ، يقولُ: ما كُلُّ ما نُحدِّثُكُم سمِعناه من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولكنْ منه ما سمِعْنا ومنه ما أخبَرَنا أصحابُنا (¬٢). وكلُّ حديثِ الصحابةِ مقبولٌ عندَ جماعةِ العلماءِ على كُلِّ حالٍ.
---------------
(¬١) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ١٨٠ (٧٣٩٨)، ومن طريقه مسلم (١١٠٩) كلاهما عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول في قَصَصِه؛ فذكره. وفيه بعده "فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه، حتى دخلنا على عائشة وأمِّ سلمة رضي اللَّه عنهما، فسألهما عبدُ الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصبحُ جُنبًا من غير حُلُم، ثم يصوم" وفي آخره: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك. قلت لعبد الملك: أقالتا: في رمضان؟ قال: كذلك كان يُصبح جُنُبًا من غير حُلُم ثم يصوم". قال البغويُّ في شرح السُّنة ٦/ ٢٨١: "رُويَ عن ابن المسيِّب أن أبا هريرة رجع عن فُتياه فيمن أصبح جُنبًا أنه لا يصوم. وتأوّل بعضُهم حديثَ أبي هريرة على أن يُدركَه الفجرُ وهو مجامع، فلا صوم له".
(¬٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السُّنة (٨١٦)، والطبراني في الكبير ١/ ٢٤٦ (٦٩٩)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٥٧٥، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (١٠٠) بإسناد صحيح من طريق حميد الطويل، عنه رضي اللَّه عنه.

الصفحة 613