كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
256…وصلنا بعضها عن طريق الروايات، وان لم يصلنا نصها مفردا.
وسوف نرى ان تدوين التابعين كان في أكثره خلال القرن الأول الهجري، ويدل كل ما ذكرنا على أن تابعي التابعين الذين ظهر أيامهم التدوين والتصنيف الذي وصلنا، انما اعتمدوا في مصنفاتهم على المرويات المكتوبة، كما اعتمدوا على السماع الشفاهي.
وسوف اذكر في هذه الفقرة أمثلة من التدوين في عهد التابعين الذين عاشوا في القرن الأول، وجزء من القرن الثاني.
1 - وأبدأ بأخبار عروة بن الزبير (23 ـ 94 هـ) .. حيث روى ابن سعد في الطبقات، عن هشام بن عروة قال: ((أحرق أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له، فكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحب الي من أن يكون لي مثل أهلي ومالي)) [179/ 5].
وروى الذهبي في [سير الأعلام 436/ 4] عن أبي الزناد قال: قال عروة: كنا نقول: لانتخذ كتاباً مع كتاب الله، فمحوت كتبي، فوالله لوددت أن كتبي عندي، ان كتاب الله قد استمرت مريرته.
ويظهر من الرواية الأولى أن عروة أحرق، أو محا كتبه سنة 63 هـ لأن وقعة الحرة كانت في هذه السنة.
وقد عاش بعد هذا التاريخ حوالي ثلاثين سنة، وقد يكون كتب غيرها.
ومما يذكر هنا أن عروة كان فقيهاً ومحدثاً، وراوي المغازي النبوية (السيرة) وقوله ((كتب فقه)) ليس معناه الفقه الاجتهادي المعروف، ولعله اراد بالفقه، ما يتعلق باحكام الشرع مطلقاً، وقد يكون فيها الحديث النبوي، وفتاوى الصحابة، وقضاء الخلفاء الراشدين ... وقد وصلتنا روايات توحي بأن عروة كان قد جمع شيئاً من السيرة النبوية حيث شهر في كتب التاريخ أنه من أوائل من ألف فيها، واذا كانت لم تصلنا منفردة، فانها وصلتنا من روايات الطبري عنها مكتوبة حيث جرت مراسلات بين عبد الملك بن مروان وهو خليفة، وبين عروة يسأل فيها عبد الملك عروة عن مسائل من السيرة النبوية.
فكان عروة يجيب عن سؤال عبد الملك كتابةً أو نقلاً…