كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)

285…
8 ـ قال ابن حجر في شرح ((كتاب الادب)) 10/ 540: قال الطبري: في قول رسول الله ((ان من الشعر حكمة)) رد على من كره الشعر مطلقاً واحتج بقول ابن مسعود ((الشعر مزامير الشيطان)) وعن مسروق انه تمثل باول بيت شعر ثم سكت، فقيل له؛ فقال: ((اخاف ان اجد في صحيفتي شعراً)) وعن ابي امامة رفعه ((ان ابليس لما هبط الى الارض قال: ربي اجعل لي قرآناً، قال: قرآنك الشعر)).
قال: ثم اجاب ـ الطبري ـ عن ذلك بأنها اخبار واهية، قال ابن حجر: ((وهي كذلك، فحديث ابي امامة فيه علي بن يزيد الهاني وهو ضعيف، وعلى تقدير قوتها، فهو محمول على الافراط فيه والاكثار منه .. )) اهـ.
ولذا جمع البخاري احاديث كراهية الشعر تحت باب ((ما يكره ان يكون الغالب على الانسان الشعر، حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن)).
وذكر حديثين، من طريقين، ولفظهما متقارب، أولهما: ((لأن يمتلئ جوف احدكما قيحاً خير له من ان يمتلئ شعراً)).
وهو في صحيح مسلم ((كتاب الشعر)) عن ابي سعيد، بينما نحن نسير مع رسول الله بالعرج إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله: خذوا الشيطان، او امسكوا الشيطان .. وذكر بقية الحديث كما في البخاري.
قال ابن حجر في شرح عنوان الباب ((إن الذم اذا كان للامتلاء، وهو الذي لا بقية لغيره معه، دل على ان مادون ذلك لا يدخله الذم)).
وقال بعضهم: ان معنى قوله ((خير له من ان يمتلئ شعراً)) يعني الشعر الذي هجي به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ابو عبيد: والذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول، لان الذي هجي به النبي لو كان شطر بيت لكان كفراً فكأنه اذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه، أنه رخص في القليل منه وهذا باطل .. ولكن وجهه عندي: ان يمتلئ قلبه من الشعر حتى يغلب عليه، فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله، فيكون الغالب عليه، فأما اذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه، فليس جوفه ممتلئاً من الشعر.

الصفحة 285