كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
299…
الأول، ويصفهم بامتداد القامة، وعظم الخلق والرفق في المشي، وبياض البشرة، وذلك دليل على الوقار والسؤدد.
ويزعمون ان الشطر الثاني هجاء في الأنصار، لأن واحداً منهم وثب على كعب في حضرة رسول الله وقال: دعني وعدو الله أضرب عنقه .. فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار .. أما المهاجرون فلم يتكلموا فيه إلا بخير. وهذا كلام باطل لا يصح، يناقض المروي في قصة القصيدة.
1 ـ لأن رواية البيهقي والحاكم تقول: ((فأسلم كعب وقال القصيدة ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب المسجد، ثم أنشد رسول الله القصيدة ... وقال ابن اسحق: فلما بلغ كعباً كتاب بجير، ضاقت به الارض .. فلما لم يجد من شيء بداً قال قصيدته التي يمدح فيها ... ثم خرج حتى قدم المدينة ... فهذه الأخبار تدل على أنه حاك القصيدة في نفسه قبل قدومه على رسول الله ولم يكن يعلم بما سيكون في مجلس رسول الله، ولم يكن يعلم ان احداً من الأنصار سيقول ما قال ... واذا كان الأمر كذلك، فكيف يفسر شطر البيت أنه هجاء للانصار، وان مدح المهاجرين كان بسبب قولهم خيراً فيه؟ وعلى فرض صحة نسبة القصيدة الى كعب، فان حال الشاعر تؤيد انه قالها قبل وصوله الى المدينة، فالشاعر من مدرسة أبيه زهير، وهو منعوت أنه من عبيد الشعر، الذين ينقحون القصائد، والتنقيح يقتضي ان يقول قبل انشادها بزمن يسمح بالتنقيح.
2 ـ ماكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرضى بهجاء الأنصار، وماكان يسكت عليه لو حصل.
والذي نقله ابن هشام في السيرة ((ويقال: ان رسول الله، قال له حين أنشده ((بانت سعاد .. )) لولا ذكرت الأنصار بخير، فانهم لذلك اهل، فخصهم كعب بقصيدة فيما بعد)).
وعلى فرض صحة هذا الخبر، فان رسول الله، تمنى على كعب جمع الأنصار مع المهاجرين في المدح، ولم يذكروا انه غضب لهجاء الأنصار .. وكيف يهجو كعب الأنصار وقد مدحهم الله في كتابه.
…