كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
316…
ولو طال العهد بعمر، او بقيت الخلافة في المدينة، لفكر اهل الرأي باحداث السدود لحبس المياه وراءها، والانتفاع منها في فصل الصيف .. ولو بقيت الخلافة في المدينة، لوجد في كنفها من اصحاب الأموال من يستطيع خدمة الارض وإحياءها، وتهيئة الاسباب لنمائها.
ونضرب لذلك مثالاً: ما روى البخاري في كتاب ((فرض الخمس)) باب: ((بركة الغازي في ماله حياً وميتاً، مع النبي صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر.
قال في قصة طويلة، يتحدث عن وفاة الزبير، وبيع املاكه، وتسديد ديونه ((وكان الزبير اشترى الغابة ـ ارض بعد مجتمع السيول في طرف شمال المدينة وراء احد ـ بسبعين ومئة الف، فباعها عبد الله بن الزبير بألف الف وستمائة الف)).
فانظر الى الفرق بين ثمن الشراء، وثمن البيع وذلك بسبب ما ادخل عليها من الاصلاح حتى جعلها مزرعة وافرة العطاء حتى انه لم يستطع واحد ان يشتريها، فاشتراها عدد من اهل المدينة واشترى منها معاوية جزءاً وهو يقيم في دمشق، وذلك لما عرف من خصبها.
وقوله في الرواية: ((وكان قد اشتراها)) يعني ذلك انه ربما كان في عهد عثمان، لأن اسفل المدينة كان في الجاهلية مواتاً غير مسكون وانما عمر بعد في الاسلام، عندما كان الخليفة يقطع الأراضي الموات لمن يحييها، ولم يكن عمر يقطع الاقطاعات الكبيرة، فلعل ذلك كان زمن عثمان. فاشتراها الزبير ممن اقطعها. ومما يدل على ان احياءها كان في زمن عثمان او اواخر عهد عمر، أن هذه الأرض الواسعة تحتاج إلى مئان من العبيد لخدمتها، ولم يكن يتوفر إلا في العهد الذي ذكرته.
ومن اسبابها: الفتن التي شغلت الناس منذ زمن عثمان، وتتابعت في زمن علي، في زمن يزيد، وعبد الله بن الزبير، والفتن لا تترك الناس يستقرون، حيث ينشغلون بها زمن حدوثها، ويهربون من مكانها بعد انتهائها خوفاً على أنفسهم.
والتقدم الزراعي، يطرد مع استقرار الناس، وانتشارها الأمن، وتفرغ…