كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
317…
الخليفة أو الأمير للحياة المدنية. ومن أسبابها: اعتماد التابعين على العبيد والخدم في الزراعة، وعدم مشاركتهم بأيديهم في العمل.
ذلك أن صور الزراعة المنتجة، كما وردت في كتب الحديث الشريف، قد يكون أعلاها مرتبة أن يعمل الزارع بنفسه إن لم يكن مانع شرعي .. وهذا ما يدل عليه ظاهر لفظ الحديث الشريف الذي رواه البخاري في كتاب الحرث و المزارعة ((عن انس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يغرس غرساً او يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو انسان او بهيمة إلا كان له به صدقة)).
وفي رواية لمسلم: ((ان نبي الله صلى الله عليه وسلم رأى نخلاً لام مبشر ـ امرأة من الأنصار ـ فقال: من غرس هذا النخل امسلم ام كافر؟ فقالوا: مسلم .. )) فذكر الحديث.
قال ابن حجر: ((وفي الحديث فضل الغرس والزرع والحض على عمارة الأرض ويستنبط منه اتخاذ الضيعة والقيام عليها)) [الفتح 5/ 41].
وفي كتاب ((البيوع)) من صحيح البخاري: باب ((كسب الرجل، وعمله بيده)) وفيه عن عائشة ((كان اصحاب رسول الله عمال انفسهم، فكان يكون لهم ارواح فقيل لهم: ((لو اغتسلتم)).
وفيه ايضاً: ((ما أكل احد طعاماً قط خيراً من ان يأكل من عمل يده، وان نبي الله داود كان يأكل من عمل يده)).
ونقل ابن حجر اختلاف العلماء في افضل المكاسب، ونقل عن الماوردي، ان اطيبها الزراعة لأنها اقرب الى التوكل.
وقال النووي: ان اطيب الكسب ما كان بعمل اليد، فان كان زراعاً فهو اطيب المكاسب، لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب.
قال ابن حجر: وفوق ذلك من عمل اليد، ما يكتسب من اموال الكفار بالجهاد، وهو مكسب النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه وهو اشرف المكاسب لما فيه من اعلاء كلمة الله [الفتح 4/ 304].
ومن صور الزراعة الناجحة: ما عنون له البخاري ((باب: اذا قال اكفني مؤونة النخل وغيره وتشركني في الثمر)) وروى حديث ((قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم…