كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)
319…اهل المدينة بخاصة، واهل الحجاز بعامة، فنبتت نابتة في ظل العطاء عاطلة عن العمل، تنتظر موعد حضور مندوب الديوان ـ ديوان العطاء ـ من دمشق، فاذا تأخر، او انقطع حل العسل محل اليسر.
وإليك هذه الصورة التي نقلها المصعب الزبيري في كتابه ((نسب قريش)) قال: ((وكان معاوية بن ابي سفيان وجه عاصماً (ابن الوليد بن عتبة) الى المدينة، بالعطاء، فقدم به، وكان العطاء يدفع الى العرفاء، وكان لكل قبيلة عريف يأخذ أعطيتهم ويدفعها اليهم، فحبس عاصم اعطية الناس وقال: يأتيني أهلها فأدفع الى كل رجل عطاءه في يده وكانت العرفاء يأخذونها، فلا يغيبون غائباً، ولا يميتون ميتاً، ويصدقون اهلها فيعطونهم بعضاً ويأخذون بعضاً، فأراد عاصم ان يصحح الديوان، فلا يعطون غائباً ولا ميتاً، ويأتيه اهل العطاء فيدفع اليهم اعطيتهم، وقد عرفهم، فكره الناس ذلك، لما كانوا يصيبون من حظ الموتى والغيب، وامتنعوا عن اتيانه، فأقام على ذلك اياماً، ثم دخل المسجد فمر بحلقة فيها الحسين، وعبد الله بن الزبير.
وعمرو بن عثمان فوقف عليهم، فسلم، فقال له بعض اهل الحلقة: ما يمنعك ان تدفع هذا المال الى اهله قال: امرني امير المؤمنين أن ادفعه الى الحاضر دون الغائب والحي دون الميت، ولا اعطي احداً الا في يده.
قالوا: فكيف تصنع بالنساء؟ أتعطيهن في أيديهن؟ يريدون بذلك الحجة عليه، قال: والنساء ايضاً، فحصبوه وغضبوا من كلمته، فحصبه الناس، حتى لجأ الى بعض دور بني امية، فقال لهم عبد الله بن الزبير: انكم اذا احدثتم حدثاً، فأخاف ان يعقبكم عليه معاوية، فاجعلوها واحدة، وقوموا الى هذا المال، فاقسموه بين اهله .. قال: فبلغت معاوية القصة، فاعرض لهم عنها)) ... ويظهر من الأخبار ان العطاء قد انقطع في عهد معاوية، بعد ان رفض…