كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)

321…ماضي البلاد الزراعي، وحاضرها .. حيث نقل عن ياقوت الحموي، وصفاً لقرية ((الوهط)) بالطائف، فقال: الوهط: مال ـ مزارع ـ كان لعمرو بن العاص بالطائف، وهو كرم كان على الف الف (مليون) خشبة شرى كل خشبة بدرهم.
وقال ابن الأعرابي: عرش عمرو بن العاص بالوهط ألف ألف عود كرم على الف الف خشبة، ابتاع كل خشبة بدرهم .. فحج سليمان بن عبد الملك، فمر بالوهط، فقال: احب ان انظر اليه، فلما رآه قال: هذا أكرم مال وأحسنه، ما رأيت لأحد مثله، لولا ان هذه الحرة ـ الحجارة السوداء المنخورة ـ في وسطه، فقيل له: ليست بحرة ولكنها مسطاح الزبيب، وكان زبيبه جمع في وسطه، فلما رآه من بعد ظنه حرة سوداء.
ويذكر شبيب أرسلان اسباب تقدم الزراعة في العصر الجاهلي وصدر الإسلام: فيقول: ولما كان العرب منحصرين في الجزيرة، لا يتجاوز ملكهم شطوطها البحرية، وبادية الشام من الشمال، كانت الجزيرة عامرة والمدن كثيرة والقرى متصلة، والمزارع ناظرة والقصور والجواسق وأماكن النزهة، لا يأخذها العد، فإن اراضيها المنبتة كانت تضيق بأهلها، فكانوا يعملون فيها بكد عظيم ليستغلوا منها كل ما يقدرون ان يستغلوه، ويتذرعون للخصب بأصناف الحيل.
ثم يذكر ما آل إليه ((الوهط)) فيقول: فاما الوهط فقد انحط كثيراً عن درجته السابقة ورتبته السامقة، ولا تجد فيه، لا ألف ألف عود كرم، ولا ألف عود كرم، ولا مسطاحاً واحداً للزبيب.
ثم يذكر اسباب انحطاط الزراعة، فيقول: فلما ظهر الإسلام، وهب العرب للفتوحات ونشر عقيدة التوحيد، من جبال الهندكوش الى جبال الألب، وكان خلفاؤهم ندبونهم للغزوات ويستجيشونهم بدون انقطاع، وكانوا مادة الاسلام وحملة الدين .. كانت القواصي تأكلهم والحروب تفني منهم مئات الألوف، وكانت قبائلهم اصبحت منتشرة من الصين إلى الهند إلى فارس .. الخ فلم يبق منهم في الجزيرة العدد الذي يقوم بعمرانها ... …

الصفحة 321