كتاب المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي (اسم الجزء: 1)

322…وكانوا في هذا اشبه بأسبانية، التي بعد فتحها المكسيك وامريكا الجنوبية قد تقهقرت الى الوراء بما هاجر من اهلها الى تلك الديار التي فاق فيها الاسبانيول في العدد من بقي منهم في وطنهم الأصلي.
يقول: ((فهذا هو السبب الحقيقي في تقلص عمران الجزيرة بعد الإسلام، حتى عاد الوهط دسكرة حقيرة بعد ان كان مسطاح الزبيب فيه يظن حرة لسواده واتساعه)) [ص 133].
ولم يذكر شكيب أرسلان، ماذا يجب ان يكون في اعقاب هذه الهجرة الجماعية للجهاد ونشر الدعوة، ومن ثم الاستيطان في البلاد المفتوحة .. فالجهاد ونشر الدعوة، كان يجب ان يكون، ولا يقدر على هذه الوظيفة إلا العرب لأن الدعوة بلسانهم: أقول: كان الواجب أن تكافأ هذه الأرض ببذل جزء من واردات بيت المال في تنمية مواردها، فهذه الأموال الوفيرة التي تكدست في بيت مال المسلمين في دمشق، ثم في بغداد، لم تكن لتكون لولا اندفاع هؤلاء العرب الى الفتح واتساع الرقعة الإسلامية التي خراجها الى بيت المال .. ولكن الذي كان، ان الخلفاء في دمشق وبغداد نسوا مهد العرب، ومهبط الدعوة مما ادى الى كثرة الفتن في الجزيرة، وشحت الأرزاق، لقلة تفرغ من بقي من العرب في الجزيرة الى العمل، وادى ذلك الى هجرة ثانية، لم يكن هدفها الفتح ونشر الدعوة، وانما كان هدفها البحث عن مواطن الرزق. والله اعلم.
ومن العجيب انهم يذكرون ان هاروون الرشيد، كان ينظر الى الغمامة فيقول لها: اذهبي فامطري حيث شئت، فإن خراجك سوف يأتيني، للدلالة على اتساع رقعة الدولة الاسلامية، ولكن لم يذكر هاروون من كان السبب في هذا الاتساع .. ولو تذكر لحظة الأرض التي نبت عليها وسعوا رقعة الخلافة، لما آل أمر الجزيرة لما آل اليه.
* * *…

الصفحة 322